5. العلاقات الإقتصادية والثقافية والديبلوماسية لكانم بورنو

5.1. العلاقات الإقتصادية

لم تقتصر علاقات كانم بالدول العربية على الجانب الثقافي فقط، بل تجاوزته إلى شكل آخر من العلاقات، تزيده قوة فوق قوة، بسبب الصلات التجارية بينها، لقد اتسعت تجارة كانم في مصر، وتدفقت الثروات إلى خزائنها، وهو أبلغ دليل على اتصال العلاقات الودية بين كانم – برنو  ومصر، وأن طائفة من أهل كانم رحلوا إلى مصر، وأقاموا واشتركوا بنصيب موفور في تجارتها الخارجية، واشتغلت هذه الطائفة بتصريف المحاصيل السودانية، ومارسوا تجارة البهارات من اليمن والهند، وقد اتخذت هذه الطائفة مدينة (قوص) مركزاً لها، فأصبحت سوقاً تجارياً حافلاً بمنتجات الوسط الإفريقي والمغرب واليمن.

حيث كوَّن تجار كانم في مصر نقابة قوية على التجارة واحتكرتها، وأقاموا على نقابتهم رئيساً معترفاً به من قبل الحكومة المصرية، بمعنى أن سلطان الكانم أتخذ لنفسه سفيراً مقيماً بالقاهرة، مهمته الإشراف على تنظيم القوافل التجارية ورحلات الحج، والاتصال بالسلطان لمعاونة الجالية الكانمية في مصر، وقد نمت ثروة تجار كانم نمواً عظيماً، بحيث أصبحوا يقومون في عالم التجارة مما تقوم به البنوك الحديثة، ويقرضون السلاطين في مصر والبلاد المجاورة.

ويتعامل أهل كانم بالقماش الذي ينسجونه في بلادهم ويطلقون عليه إسم (دندي) كما يتعاملون بالودع والخرز وقطع النحاس والورق على أساس تسعيرها بالقماش، وهذا ما يوضح لنا مدى القوة التي تتمتع بها مملكة كانم الإسلامية في تلك الحقب، لأن قوة الدول وعظمتها تكمن في قوة اقتصادها وتنظيم إدارتها وهما أمران تحققا في دولة كانم، ولا ننسى دور التجار العرب من قبل، فإن للتجار العرب دوراً كبيراً في نشر اللغة العربية وتوطيد العلاقات بين كانم وبلادهم.

حيث توجد كثيراً من الشواهد التي تدل على عمق اللغة العربية والعروبة في بلاد كانم رغم محاولات الاستعمار بعد سيطرته على تشاد والمناطق التابعة لكانم، في العمل على محو الطابع العربي، وقد تأثر أهل كانم بالإسلام إلى حدٍ كبير ونشروا مظاهر الثقافة الإسلامية بين تلك الشعوب المحلية وقد أغنت اللغة العربية لغة أهل كانم بمئات الألفاظ الدينية والسياسية والاقتصادية، بل صار المسلمون في كانم متشبعين بالحضارة الإسلامية العربية، وهكذا طبعت البلاد بالطابع العربي الإسلامي رغم تداخل القبائل العربية مع القبائل المحلية في السودان الأوسط في قلب إفريقيا  تشاد.

فقد دخلت الإسلام وطبعت بالروح العربية طوعاً لا قهراً، وقامت الحضارة الإسلامية وبقيت اللغات المحلية بجانب لغة الضاد لغة القرآن كدليل على أن الحضارة الإسلامية تقوم على معاملة الناس بالحسنى، وقد وجدت الشعوب الكانمية ضالتها في ظل الحضارة الإسلامية العربية، على أن هذا التعريب في كانم اتخذ مظاهر متعددة، منها النسب واللغة والتاريخ وكتابة المراسم السلطانية.