6. التواصل الحضاري بين كانم بورنو والمغاربة

تشترك مملكة كانم بونو وبلاد المغارب التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية آنذاك، في الاهتمام بالدين الإسلامي واللغة العربية، والتعليم والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، والشعائر الدينية الحنيفة، وتتواصل من خلال التجارة والتبادل المعرفي والثقافي، وبما أن مملكة كانم برنو تعرفت على الإسلام في القرن الأول الهجري، فإن الإسلام قد هيأ إلى المناطق الإفريقية التي دخلها أن تتصل بالحضارة الإسلامية في وقت مبكر، فقد أحدث هذا الدين الجديد نشاطا ثقافيا وحراكا اجتماعيا، ونشاطا اقتصاديا عظيما، فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزواج والجوار وتبادل السلع والمنافع، فيما بينها

وكان للدولة العثمانية وجود وحضور في منطقة الشمال الإفريقي والمغرب العربي منذ سنة 1518م وأما مصر فإن الوجود العثماني فيها كان أقدم من ذلك التاريخ، واحتل الجيش العثماني أجزاء من فزان التي كانت خاضعة لحكم وسلطنة إمبراطورية كانم برنو، وهو ما أثار حفيظة أمبراطورية كانم برنو، من النوايا العثمانية، غير أن التواصل الحضاري والاجتماعي والثقافي والتجاري ما بين الشعوب الإفريقية وما جاورها من الدول كسر كل الحواجز والتوجهات السياسية في المنطقة، مما جعل الباب مفتوحا أمام الأمبراطوريتين للتعاون.

ونتج عن ذلك تطور في التواصل الحضاري، وازدهرت حركة التبادل التجاري بين الإمبراطوريتين، وتوسعت إلى درجة التعاون والتفاهم، والناظر إلى الوثائق المتبادلة فيما بينهما يدرك مدى توسعها في حماية التجارة وتواصل الشعوب المتاخمة للصحراء والدول الإفريقية السمراء بالدولة العثمانية، فقد ذكر الباحث صلاح الدين حسن السوري، أن حركة التبادل التجاري بين الأمبراطوريتين توسع إلى التعاون فيما بينهم، وانتقل إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، وأحدثة هذه العلاقة حركة عمرانية تمثلت في مد الجسور عبر الصحراء، وإزدهار المدن والمراكز التجارية في أعماقها وتحقيق الأمن والطمانينة فيها، والأهم من ذلك كله العلاقات الإنسانية التي ظهرت في حسن التعامل وتبادل الثقة وحل المشاكل بالأساليب السلمية، الأمر الذي طمأن الحكام في مملكة كانم برنو.

ومن المعروف أن هذا التوسع يثمر في التعارف، ويسهم في إرثاء الحضارة الإسلامية في المنطقة، بل ويفتح باب التبادل والتواصل الاجتماعي، من خلال طمأنة حكام إمبراطورية كانم برنو الإسلامية بعدم غزوها أو الاستعلاء إلى أراضيها، وهو ما سعت إليه الدولة العثمانية لمعرفة أصالة الدين الإسلامي بالأمبراطورية، وفي رسائل متبادلة أكدت الحكومة العثمانية بأن ليس لها أطماع سياسية في برنو، إنما مقاصدها تقتصر على بناء جسور المحبة والصداقة بين البلدين المسلمين، كان هناك حرص على تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتقويتها، فكانت السفارات والرسائل المتبادلة والمستمرة بين البلدين من رسائل السياسة، وبطبيعة الحال كانت تتضمن الاهتمام بالتجارة وتأمين الطرق وتيسير الأمور بما يعود نفعه على الطرفين، وكانت عبارات التعظيم والتفخيم وإظهار الاحترام تنمق بعناية، وتستخدم فيها المحسنات البديعية التي تميزها عن الرسائل الشخصية العادية والادارية الرسمية.

لقد توسع التبادل التجاري والتبادل الثقافي والتواصل الحضاري بين مملكة كانم برنو والدول المجاورة لها، خاصة مع دولة مصر العربية " فالإسلام جاء إلى كانم برنو عبر بوابة مصر وجاء بالعلم والحضارة والثقافة وبشر ببزوغ فجر جديد في العلاقات الإنسانية خاصة بين شعب كانم برنو وشعب مصر وعمل على فتح قنوات الاتصال أمام شعب كانم برنو على الحضارة الإسلامية المصرية التي استفاد منها كثيرا في تطوير حياته العلمية والثقافية" وهكذا جميع دول الشمال الإفريقي ومع دول الخلافة العثمانية، التي أظهرت نواياها في التعاون والتبادل بينهم.ا

ففي إحدى الوثائق المؤرخة 27 شعبان سنة 1286، صدر قرار مجلس إدارة الولاية يؤكد أهمية التجارة بين الولاية وبرنو، ويقرر رصد مبلغ لإرسال هدية مناسبة صدرت فيها إرادة سلطانية لحاكمها عمر الكانمي، وإن يقوم بحمل الرسالة والهدية شخص ذو اعتبار يحمل لقبا شرفيا، وتم ذلك بالفعل، والرسالة تحمل تاريخ 2 رمضان سنة 1286، وكانت مفعمة بعبارات التبجيل والتعظيم والاشادة بفضل عمر الكانمي ومكانته، وكانت تتضمن أيضا الاهتمام بالتجارة وتنميتها وتأمين طرقها وضمان أمنها، ويضيف الدكتور صلاح الدين السوري، أن سعيا من الطرفين في الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة في السنوات اللاحقة، ففي رسالة من والي طرابلس أحمد باشا مؤرخة في 8 محرم سنة 1300 إلى حاكم برنو الشيخ أبي بكر بن عمر الكانمي يفيده بوصول كتابه وهديته إلى السلطان عبد المجيد الثاني، ويعبر فيها عن شكر السلطان وامتنانه وإشادته بالروابط الطيبة وحسن الجوار والتضامن بين المسلمين، وأهم ما في الرسالة التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتجارة وحمايتها وتسهيل أمرها.

إن هذا التواصل الحضاري بين الأمبراطورية العثمانية ومملكة كانم برنو، يؤكد مدى إرساء دعائم المحبة والصداقة، بل أثمر هذا التواصل في علاقات سياسية متينة وساهم في حل المشاكل بالوسائل السلمية، كما جلب فوائد ومصالح اقتصادية وكنوز معرفية بين الدوليتين، من هنا فإنها تجربة فريدة من نوعها ومليئة بإنجازاتها.