امبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي
تتناول هذه المحاضرة التكوين السياسي والتطور الحضاري لإمبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي ما بين القرنين 13 و15م.
5. سقوط امبراطورية مالي
إن بداية انحطاط امبراطورية مالي كانت مع وفاة "منسا سليمان"، حيث خلفه ابنه "قنبتا بن سليمان" يلقب بـ "كاسا سليمان" الذي حكم فترة قصيرة ثم ولي بعده "ماري جاطة بن منسا مغا بن منسا موسى" لمدة اربعة عشر عاما فكان هذا الأخير أشرّ الناس حسب ابن خلدون، أساء السيرة وأفسد ملك مالي وأتلف ذخائر البلاد، بكثرة التبذير لدرجة أنه قام ببيع حجر من الذهب يزن عشرين قنطارا إلى تجار مصر بأبخس الأثمان.
تلك الحجرة تعد أنفس ذخائر ملوك السودان نظرا لوجود مثلها كما اشتهر بالكسل وعدم اكتراثه بشؤون البلاد إلى أن توفي عام (776ه/1374م) بمرض النوم والنعاس الذي يصيب سكان تلك المنطقة لمدة سنتين.
بعد "ماري جاطة" خلفه ابنه "موسى الثاني" عام (776-789ه/1374-1387م) الذي حاول إعادة الإمبراطورية كما كانت من قبل، لكن تغلب عليه وزيره الذي كان يتصرف بشؤون الدولة كما يشاء، وتحكم في مقاليد الحكم وأحسن التدبير كما استولى على العرش مع العلم أنه لم يزح "موسى الثاني" عن العرش إلى أن توفي عام (789ه/1387م)، وبعد وفاة "موسى الثاني"، حدثت نزاعات واغتيالات حول العرش بين الأشقاء والأقارب أدت إلى تفكك الامبراطورية، وهذا نتيجة ضعف شخصية الملوك الذين خلفوا "منسا سليمان" فأصبح همهم التنافس والتنازع على العرش فأدخلوا البلاد في الفوضى والإضطرابات، كما شاع بينهم فساد الأخلاق وانغماسهم في الملذات بين أهل مالي من أصغرهم إلى أكبرهم من الملوك والقضاة والفقهاء.
كما أن استلاء القبائل المجاورة لهم مثل قبائل الموسى وغاو والطوارق على أهم المدن الإقتصادية والثقافية مثل تنبكتو وتكدا وجني وغلام قد أفقدت الامبراطورية إحدى عوامل اقتصادها، حيث ظهرت قوة كوكو (غاو) التي أخذت تضم ولايات مالي الواحدة تلوى الأخرى إلى أراضيها حتى استولت على جني وهي إحدى المراكز التجارية الهامة لمالي، ومنذ أواسط القرن (8ه/14م) ، كما سقطت قبل ذلك العاصمة المالية نياني أمام هجمات ملوك السنغاي عام (802ه/1400م). بدأ ملوك الطوارق يشنون هجمات على تنبكتو فسقطت تحت سيطرة الطوارق عام (838ه/1435م).
كما توالت غزوات ملوك غاو على الأراضي المالية حتى بنوا مملكة السنغاي على أنقاض امبراطورية مالي رغم محاولة الماليين التصدي لهم وتحالفهم مع ملك البرتغال "جون الثاني" إلا أن أمداداته لم تصل أبدا.
لقد استمرت امبراطورية مالي إلى غاية القرن (10ه/16م) لكن على مساحة ضيقة جدا إذ تم احتلالها كلية من قبل ملك الأسقيين وهو "الأسقيا داود" عام (1055ه/1545م).
في الختام يمكن القول أن امبراطورية مالي كانت نموذجا للدول التي ظهرت في السودان الغربي ما بين القرنين (4-9ه/10-15م)، امتدت إليها الحضارة العربية الإسلامية التي بدأت ملامحها الأولى تظهر في مملكة غانة ونضجت على أيدي ملوك مالي واحتذى بهم ملوك الدول المجاورة مثل كانم بورنو والسنغاي.