امبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Cours: تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء
Livre: امبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي
Imprimé par: Visiteur anonyme
Date: jeudi 3 avril 2025, 18:31

Description

تتناول هذه المحاضرة التكوين السياسي والتطور الحضاري لإمبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي ما بين القرنين 13 و15م.

1. مقدمة

الثابت أن التاريخ السياسي للسودان الغربي قد عرف تعاقب ممالك قوية حكمت المنطقة لقرون عديدة؛ و تعتبر مملكة غانة من أولى الممالك التي ذكرتها المصادر التاريخية في السودان الغربي، لكن لسنا ندري إن كان هناك ممالك أخرى قد قامت على اديم هذه المنطقة قبل القرن الثالث ميلادي، في حين ذكرت جل المصادر العربية باقي الممالك التي نشأت بعد سقوط مملكة غانة، مثل امبراطورية مالي ومملكة السنغاي التي تعتبر من أقوى الممالك قوة واتساعا في السودان الغربي وآخرها مع نهايات القرن السادس عشر على إثر الغزو المغربي على المملكة.

2. سقوط مملكة غانة

إن الرخاء الإقتصادي لمملكة غانة جعلها محط أطماع جيرانها خلال القرن الحادي عشر ميلادي، بعد ظهور دعوة عبد الله بن ياسين والحركة المرابطية، باتحاد قبائل مسوفة وجدالة ولمتونة، التي تعززت قوتها من وفرة عددها والأرباح التي تجنيها من مراقبتها للطريق التجاري سجلماسة-غانة.

حيث سعى المرابطون إلى السيطرة على مصادر ثروة غانة، بعد هجومهم على أودغست عام 1055م التي تعتبـر مخزنا لذهب بلاد السودان، وهنا بدأ الضعف يدب في المملكة حتى بعد انسحاب المرابطين منها تاريكين الحكم لملوكها، لأن الأقاليم التي كانت تابعة لها أخدت تنفصل عنها الواحدة تلوى الأخرى وبالتالي تقلصت مساحتها إلى أن انتهت بسقوط العاصمة كومبي صالح في أيدي حكام الصوصو الوثنيين.

 حيث يذكر ابن خلدون أمر سقوط غانة بقوله: " ثم أن أهل غانية ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي البربر كما ذكرناه، وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم واقتضو منهم الأتوات والجزي، وحملوا كثيرا منهم على الإسلام فدانوا به. ثم اضمحل ملك أصحاب غانية وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أمم السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم".

بعد دخول الصوصو عاصمة غانة وكونوا مملكة وثنية قوية، إلا أنهم دخلوا في نزاع مع منافسين آخرين لهم من قبائل الماندينغ التي تغلبت بدورها على قبائل الصوصو عام 1235م، مكونة بذلك امبراطورية مالي التي ورثت أملاك غانة باستيلائها على عاصمتها عام 1240م.

3. تأسيس امبراطورية مالي وتوسعها

يعتبر شعب المالنكي من أكثر الشعوب شهرة في منطقة النيجر والسنغال العلوييين، ومن أهم مجموعات ماندينغ الوسط خصوصا، بسبب الدور البارز الذي أدته هذه الجماعات الماندية في التاريخ الحضاري للمنطقة مثل الديولا، البمبارا والونغارة.

كما عرف شعب المالنكي بأنه شعب محارب وغازي كبير فضلا عن كونه من أكثر الشعوب انسجاما وتنظيما بين مجموعاته المختلفة، وهذا يعود للمجهودات التي قامت بها مختلف عشائره التي سكنته منذ القدم والتي قدرتها بعض المصادر بحوالي مائة عشيرة، ولما كانت بلاد الماندي مقسمة إلى إمارات وعشائر  متنافسة فيما بينها، كان لابد أن تبرز إمارة على حساب إمارة وعشيرة على حساب عشيرة أخيرى، حيث برزت عائلة كيتا وسيطرت على كل العشائر الماندية مؤسسة بذلك مملكة مالي التي سرعان ما بدأت تكبر وتتوسع مشكلة بذلك امبراطورية بلغت جميع الممالك القديمة وأخضعتها لسيطرتها.  

لكن قبل تأسيس هذه الإبراطورية تعرضت هذه العشائر إلى استعباد من قبل مملكة الصوصو التي  سيطرت على مملكة غانة كونوا مملكة وثنية قوية على أنقاض مملكة غانة، الذين استبدوا بقائل المنطقة وشعوبها المسلمة واستعبدوهم وكان بينهم شعب الماندينغ والذين يعتبرون من أولى الشعوب السودانية التي اعتنقت الإسلام في غرب السودان، فكانت العداوة شديدة بينهما، الأمر الذي جعل هؤلاء يتصدون لهم حيث كان لعائلة كيتا زعيمة شعب الماندينغ الفضل الكبير في التصدي لجبروت الصوصو  وحاكمها القوي "سمنغورو".

بالرغم من اعتناق أسرة كيتا الإسلام في وقت مبكر (442ه/1050م)، إلا أن المصادر العربية بقيت تفتقد للمعلومات الخاصة بالبدايات الأولى لامارة الماندينغ والتي كونت فيما بعد امبراطورية مالي.  إلا أن المصادر الشفوية تتفق على أن عائلة كيتا تعد من أهم خمسة وثلاثون عشيرة مالنكية منذ أزمنة غابرة جدا، حيث استقروا حول نهر النيجر بالأخص الجزء الغربي منه، وفي شرقي السنغال وجنوبه، بالإضافة إلى ضفتي نهر غامبيا وغينيا بيساو.

وقد عرفت إمارة الماندينغ تحولا كبيرا في القرن (7ه/13م) حيث كان يحكمها ملك من أسرة كيتا يدعى "ناري فامغان" ما بين (615-628ه/1218-1230م). وكان له إثنا عشر طفلا  قتلوا أثناء هجوم الصوصو على إمارة الماندينغ ولم ينجوا منهم سوى ابنه الصغير "ماري دياتا" أو "سوندياتا".

حيث تروي الرواية أن سمنغور احتقروه بسبب عاهته كونه لا يقف على رجليه فعاش طفولته صعبة وظل معقدا لفترة طويلة، وكانت أمه "سوغولون كوندية" موضع سخرية زوجات الملك "ناري فاماغان"، لكن تشاء الأقدار أن يتمكن "سوندياتا" من المشي وهو في السن السابعة من عمره، فأصبح يتزعم أقرابه، لكنه اضطر للهرب من الإضطهاد رفقة أمه وأخته وتوجه نحو غانة في كومبي صالح التي احتضنته، أين أعجب به ملك "منسا تونكارا" فأوكل له مسؤوليات كبيرة.   

حيث كون جيشا نظاميا ذاع صيته فاستدعاه أهل إمارة الماندينغ فلبى الدعوة وانضمت إليه كل جيوش العشائر الماندية، عندما تجهز هذا الجيش الكبير أعلن "سندياتا" الحرب على زعيم الصوصو الملك "سمنغورو كانتي"  قاتل أبيه وأخوته ومنهك حرمة وطنه وقد كان ذلك عام (631ه/1235م) بمنطقة كيرينا.

بعد هذا الإنتصار  انتزع سندياتا من ملك الصوصو وملك غانة الملك وتوجه نحو الشرق بفتوحاته في فوتا جالون والنيجر وجني، فما إن حلّت سنة (638ه /1240م) حتى أصبح "سوندياتا كيتا" يتربع على عرش امبراطورية كبيرة، فاجتمع بكل الماندينغ والمناطق الخاضعة له بمنطقة "كوروكنفوقا" قرب "كنقابا" وهي إحدى المدن المالية الواقعة على نهر النيجر، أين منح كل واحد من حلفاءه جزء من مملكته كما بايعه زعماء القبائل الخاضعة له واعترفوا له بالأمبراطور. كما قام بنقل عاصمة الإمبراطورية إلى "نياني" بدلا من "جليبا" التي كانت تمثل عاصمة الامبراطورية لكونها لم تعد تصلح ولا تتسع لبلاط الملك ونشاط دولته.

بالنسبة لحدودها؛ لقد كان عام (638ه/1240م) بداية اعتلاء "سوندياتا" عرش الإمبراطورية المالية، التي توسعت حتى بلغت حدود بلاد البورنو  وباتجاه الشمال نحو بلاد البربر أما جنوبا أصبحت تحاذي بلاد الهمج الوثنيين، كما بلغ جهة الغرب البحر المحيط.

4. تطور وازدهار امبراطورية مالي

تعد هذه الفترة من أهم أدوار الإمبراطورية سواء من حيث التوسع الجغرافي أو التنظيم العسكري والدور الحضاري في المنطقة، حيث كانت سنة (638ه/1240م)، هو بداية هذا العصر الذهبي للإمبرطورية والذي اقترن باعتلاء سوندياتا عرش الامبراطورية التي أصبح حكمها يمتد على حساب مملكة غانة عندما لحقتها بها.

كما بدات في التوسع باتجاه الشرق حتى بلغت حدود بلاد بورنو وباتجاه الشمال إلى غاية بلاد البربر  أما جنوبا فأصبحا تحاذي بلاد الوثنيين ومن الغرب البحر المحيط.

من أهم الملوك الذين تعاقبوا على امبراطورية مالي نجد "سوندياتا" مؤسس الإمبراطورية، و"منسى موسى"  الرجل الصالح والملك العظيم وأخيه "سليمان" وكل منهم قد هيأ عهدا مميزا في تاريخ مالي.

4.1. عهد سوندياتا

تعد مرحلة حكم سندياتا مرحلة التأسيس والإنطلاق للإمبراطورية، ومن أبرز الإنجازات التي قام بها سوندياتا خلال فترة حكمه نجد؛

  • توسع مساحة الإمبراطورية المالية:  توجيه حملات عسكرية من العاصمة نياني باتجاه الغرب لتوسيع حدود مملكته وضم أهم حقول الذهب الكبرى مثل البامبوك وبوري ، حيث بلغت فتوحاته أسفل نهر السنغال  ونهر غامبيا والتكرور ، ولعل أبرز الادوار التي بلغتها مالي خلال هذه الفترة ترجع إلى جهود الملك سوندياتا في توسيع الإمبراطورية.
  • الجانب العسكري: قام سندياتا بإنشاء جيش نظامي قوي ومدرب، بحث يقود كل فرقة منه قائد دائم يلقب بـ "كيلي بولون"، بينما يتولى قيادة الجيش الملك شخصيا ويلقب بـ "كيلي تيجي"، كان الجيش ينقسم إلى: الخيالة المسلحة بالسيوف، جيش المشاة بالفؤوس والسهام والحراب الطويلة. 
  • الجانب الزراعي: تشير الروايات المحلية إلى أن سوندياتا كان مهتما بالجانب الزراعي، حيث أدخل إلى مالي زراعة القطن والفول السوداني وغيرها من المزروعات، كما أولى اهتماما بتربية الحيوانات.
  • الجانب السياسي: لقد أخذ أمراء الماندينغ لقب "منسا" لاول مرة في تاريخهم ومعناه السلطان. قام سوندياتا بتشكيل جمعية عامة انبثق عنها نظام شبه فيدرالي وولى على كل جزء من مملكته أحد حلفاءه من الماندينغ. لقد اختلفت المصادر التاريخية حول مدة حكمه من خمس عشرة سنة إلى خمسة وعشرين سنة، لذلك نجهل سنة وفاته التي يتوقع أن تكون بين عامي (635ه/1255م و 664ه/1265م)، وقد جاءت وفاته مفاجئة ومؤلمة نتيجة تعرضه لضربة سهم طائش من ابن صديقه أثناء حفل للرماية على شرف "سندياتا".

4.2. عهد سكورة

بعد وفاة سندياتا خلفه ابته "منسا ولي" والذي حكم بين عامي (653-668ه/1255-1270م) وكان من أعظم ملوكهم، حيث شهدت فترة حكمه اتجاه الإمبراطورية نحو اللامركزية بعدما أقطع الأراضي لقادته الكبار،  وبعد وفاته خلفه "أبو بكر الأول" الذي كان ابن بنت سندياتا على اعتبار أنه لم يكن لسندياتا إلا ابن واحد وهو "منسا ولي"، لكن فترة حكم "أبو بكر الأول" اتسمت بالضعف وكثرت الخلافات حول العرش في عهده فتلاشت قبضته على الإمبراطورية، لهذا فإن وفاة "أبو بكر الأول" عام (683ه/1285م) أحدث غموضا في تاريخ مالي، وواجه الإمبراطورية مشكلة من يخلفه على العرش.

وفي ظل هذه الفوضى ظهر رجل من القادة العسكريين والذي كان من العبيد في السابق قبل أن يتحرر، وهو "سكورة"، أين استولى على العرش عام (683ه/1285م) ونصب نفسه إمبراطورا جديدا على مالي، وبالتالي يعد هذا الأخير أول امبراطور لا ينتمي إلى عائلة "كيتا".

لكن مع مرور الوقت تبين أن "سكورة" ملكا كفءا، بارعا في الحرب وفي السياسة، حيث استطاع أن يعيد لمالي هيبتها وعمل على توسيعها أكثر، حيث مدد حدودها شرقا على حساب مملكة كوكو أما غربا فقد ضم منطقة مسينا وأصبح ملك التكرور تابعا له، كما تميز سكورة بالتقوى والإيمان، حيث استطاع أن يعيد لمالي الأمن والإستقرار إلى أن قتل عام (700ه/1300م)، وهو عائد من الحج في منطقة تاجورة قرب طرابلس.  

بعد وفاة "سكورة"، يعود الحكم مرة أخرى لعائلة "كيتا"، حيث تذكر المصادر العربية أنه بعد وفاة سكورة توالى على العرش كل من الملك "قو" وبعده ابنه "محمد بن قو"، إلى أن انتقل الملك إلى "أبي بكر الثاني" عام (703ه./1303م) وهو ابن أخ سندياتا. الذي اشتهر بطموحه الكبير، الأمر الذي دفعه لتجهيز مائتي سفينة وأرسلها إلى المحيط الأطلسي من أجل الإستطلاع والبحث عما يوجد وراء هذا البحر لكن لم تعد سوى سفينة واحدة، وأتبعها بألفي سفينة أخرى لكن هذه المرة لم تعد ولا سفينة. وهكذا راح الملك ضحية طموحه مع السفن، حيث اختفى ولم يعد، وبالتالي شهدت الإمبراطورية عهدا جديدا عندما تولى الحكم الملك المشهور "منسا موسى" ابن "أبي بكر الثاني".

4.3. عهد موسى كاكان (منسا موسى)

لقد اختلف المؤرخون العاصرون في تحديد فترة بداية عهد منسى موسى ولعل مرد ذلك بسبب الغموض الذي انتهى إليه مصير أبيه "أبي بكر الثاني"، فلم يتول منسى موسى العرش حتى انقطعت أخبار والده، حيث حددها بعض المؤرخين بعام (707ه/1307م) بينما حددها آخرون بعام (712ه/1312م).

تشتهر  فترة حكم منسى موسى بأكثر الفترات ازدهارا في تاريخ السودان خلال العصور الوسطى، نتيجة الدور الذي قام به الملك، حيث كان رجلا صالحا وعظيما فكان يعتق كل يوم نفسا، يحكى لنا محمود كعت أنه لما خرج إلى الحج في أحد المواسم حمل معه قوة عظيمة، من المال الكثير وثمانون ألفا من الجند وخمسمائة من النسوة وثمانية آلاف وسبعمائة من العبيد وقيل ستون ألف رجلا وخمسمائة من العبيد.

أما أعماله العسكرية فقد كانت مهمة وكثيرة، فكان أول ما قام به هو بناء جيش قوي حتى أصبح لديه أقوى جيش في السودان الغربي كله خلال تلك الفترة، وبعد أن فتح مناطق واسعة في الغرب حتى المحيط الأطلسي توسع باتجاه الشرق إلى أن وصلت حدود مملكته مشارف بحيرة التشاد.

ولما كان منسى موسى يدرك جيدا الأهمية الحيوية للمناطق التي تمثل ملتقى الطرق التجارية من الناجية الإقتصادية والسياسية، فإن أمير جيش منسى موسى قام بالسيطرة على مملكة السنغاي عام (717ه/1325م)، مستغلا بذلك ذهاب ملك السنغاي "ديا أسيبا" لأداء فريضة الحج فاستولى على العاصمة غاو  وقدمها هدية لمنسا موسى عندما عاد من الأراضي المقدسة فدخلها فاتحا أين استقبله أمراؤها وقدموا له فروض الطاعة والولاء.  

واصل منسى موسى فتوحاته حتى أصبحت امبراطوريته تضم كل التجمعات البربرية الواقعة جنوب الصحراء، كما امتد ملكه جنوبا إلى غاية غابات غينيا وشرقا بلاد الهوسا، كما فتح تنبكتو  وجعل له فيها خليفة وابتنى بها دارا للسلطنة فسميت ب (مع دك) ومعناها في لغة المالنك دار السلطان كما بنى صومعة الجامع الكبير بها.

كما اعتنى الملك منسا موسى ببناء تنبكتو حتى أصبحت البلد الأم للتجارة في بلاد السودان في العصور الوسطى، كما أصبحت منارة علمية بقدوم الفقهاء والعلماء والأدباء إليها.

لقد كان منسى موسى أول من وضع جيشا قويا حتى أصبح أقوى جيش في السودان الغربي في تلك الفترة، وبعد أن فتح مناطق واسعة في الغرب حتى المحيط الأطلسي توسع شرقا حتى وصلت حدود مالي تتاخم بحيرة التشاد.

لقد أخرج منسا موسى امبراطورية مالي من عزلتها وأكسبها سمعهة دولية، أين ربط علاقات دبلوماسية مع سلاطين القاهرة  والمغرب الأقصى الذين كان لهم سفراء في البلاط المالي ونفس الأمر كان لمالي سفراء في مراكش والقاهرة، فبفضل هذا الملك نالت مالي شهرة كبيرة في الأندلس ومراكش، ففي سنة (731ه/1339م) وجد اسم مالي مكتوبا على خرائط العالم الجغرافي الإيطالي "أونجيلو دولسرت"، كما وجد اسم مالي في الأطلس الجغرافي الذي وضعه" أبراهام كريسك" لشارل الخامس ملك فرنسا.

كما ذكر الرحالة والتاجر الإيطالي "مالفنت" في مذكراته أن جمهورية ايطالية كانت تطمح للإتصال بمالي والتعاون معها في عهد منسا موسى. وهكذا استطاع هذا الملك أن يعيد مجد مالي ويحافظ على استمرايتها.

أما عن وفاته فالمرجح أن يكون قد توفي عام (733ه/1332م) وولى بعده ابنه "منسا مغا" الذي توفي بعد أربع سنوات من الحكم، فخلفه عمه "منسا سليمان".

4.4. عهد منسا مغا ومنسا سليمان

وقد تركت وفاة منسا موسى فراغا رهيبا وفوضى بمجرد تولي ابنه الحكم وذلك بسبب افتقاده لصرامة أبيه وحزمه، فعرف متساهلا في إدارة شؤون الامبراطورية، الأمر الذي مكن ولدي ملك غاو يفران ويعودان إلى موطنهما في غاو، كما وقع في عهده نهب مدينة تنبكتو، وبعد وفاة منسا مغا تولى العرش "منسا سليمان"  بن أبي بكر الثاني أخو منسى موسى ما بين (724-762ه/1341-1360م) الذي اجتمع له ما كان أخوه قد افتتحه من السودان الغربي.

رغم صفة البخل التي تميز بها "منسا سليمان" إلا أنه استطاع اصلاح شؤون البلاد المالية وأعاد الأمن للامبراطورية، كما استعاد السيطرة على الولايات الشرقية وأصبح في عهده رؤساء الطوارق في تكدا يعترفون بسلطانه ويدينون له بالولاء فاستفادت الامبراطورية من نحاسها.

كما واصل سيرة أخيه في نشر الإسلام وبناء المساجد والمنارات وحرص على صلاة الجماعة وإقامة الآذان، حيث أعاد خلالها مجد الامبراطورية الذي ميز فترة حكم أخيه "منسا موسى"، كما حافظ على العلاقات الدبلوماسية الخارجية.

توفي "منسا سليمان" عام (762ه/1360م) فدخلت الامبراطورية عهد جديد من الفوضى والصراع حول العرش أدى إلى سقوطها.

5. سقوط امبراطورية مالي

إن بداية انحطاط امبراطورية مالي كانت مع وفاة "منسا سليمان"، حيث خلفه ابنه "قنبتا بن سليمان" يلقب بـ "كاسا سليمان" الذي حكم فترة قصيرة ثم ولي بعده "ماري جاطة بن منسا مغا بن منسا موسى"  لمدة اربعة عشر عاما فكان هذا الأخير أشرّ الناس حسب ابن خلدون، أساء السيرة وأفسد ملك مالي وأتلف ذخائر البلاد، بكثرة التبذير  لدرجة أنه قام ببيع حجر من الذهب يزن عشرين قنطارا إلى تجار مصر بأبخس الأثمان.

 تلك الحجرة تعد أنفس ذخائر ملوك السودان نظرا لوجود مثلها كما اشتهر بالكسل وعدم اكتراثه بشؤون البلاد إلى أن توفي عام (776ه/1374م) بمرض النوم والنعاس الذي يصيب سكان تلك المنطقة لمدة سنتين.

بعد "ماري جاطة" خلفه ابنه "موسى الثاني" عام (776-789ه/1374-1387م) الذي حاول إعادة الإمبراطورية كما كانت من قبل، لكن تغلب عليه وزيره الذي كان يتصرف بشؤون الدولة كما يشاء، وتحكم في مقاليد الحكم وأحسن التدبير  كما استولى على العرش مع العلم أنه لم يزح "موسى الثاني" عن العرش إلى أن توفي عام (789ه/1387م)، وبعد وفاة "موسى الثاني"، حدثت نزاعات واغتيالات حول العرش بين الأشقاء والأقارب أدت إلى تفكك الامبراطورية، وهذا نتيجة ضعف شخصية الملوك الذين خلفوا "منسا سليمان" فأصبح همهم التنافس والتنازع على العرش فأدخلوا البلاد في الفوضى والإضطرابات، كما شاع بينهم فساد الأخلاق وانغماسهم في الملذات بين أهل مالي من أصغرهم إلى أكبرهم من الملوك والقضاة والفقهاء.

كما أن استلاء القبائل المجاورة لهم مثل قبائل الموسى وغاو والطوارق على أهم المدن الإقتصادية والثقافية مثل تنبكتو وتكدا وجني وغلام قد أفقدت الامبراطورية إحدى عوامل اقتصادها، حيث ظهرت قوة كوكو (غاو) التي أخذت تضم ولايات مالي الواحدة تلوى الأخرى إلى أراضيها حتى استولت على جني وهي إحدى المراكز التجارية الهامة لمالي، ومنذ أواسط القرن (8ه/14م) ، كما سقطت قبل ذلك العاصمة المالية نياني أمام هجمات ملوك السنغاي عام (802ه/1400م). بدأ ملوك الطوارق يشنون هجمات على تنبكتو  فسقطت تحت سيطرة الطوارق عام (838ه/1435م).

كما توالت غزوات ملوك غاو على الأراضي المالية حتى بنوا مملكة السنغاي على أنقاض امبراطورية مالي رغم محاولة الماليين التصدي لهم وتحالفهم مع ملك البرتغال "جون الثاني" إلا أن أمداداته لم تصل أبدا.

لقد استمرت امبراطورية مالي إلى غاية القرن (10ه/16م) لكن على مساحة ضيقة جدا إذ تم احتلالها كلية من قبل ملك الأسقيين وهو "الأسقيا داود" عام (1055ه/1545م).

في الختام يمكن القول أن امبراطورية مالي كانت نموذجا للدول التي ظهرت في السودان الغربي ما بين القرنين (4-9ه/10-15م)، امتدت إليها الحضارة العربية الإسلامية التي بدأت ملامحها الأولى تظهر في مملكة غانة ونضجت على أيدي ملوك مالي واحتذى بهم ملوك الدول المجاورة مثل كانم بورنو والسنغاي.