امبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي
تتناول هذه المحاضرة التكوين السياسي والتطور الحضاري لإمبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي ما بين القرنين 13 و15م.
4. تطور وازدهار امبراطورية مالي
4.3. عهد موسى كاكان (منسا موسى)
لقد اختلف المؤرخون العاصرون في تحديد فترة بداية عهد منسى موسى ولعل مرد ذلك بسبب الغموض الذي انتهى إليه مصير أبيه "أبي بكر الثاني"، فلم يتول منسى موسى العرش حتى انقطعت أخبار والده، حيث حددها بعض المؤرخين بعام (707ه/1307م) بينما حددها آخرون بعام (712ه/1312م).
تشتهر فترة حكم منسى موسى بأكثر الفترات ازدهارا في تاريخ السودان خلال العصور الوسطى، نتيجة الدور الذي قام به الملك، حيث كان رجلا صالحا وعظيما فكان يعتق كل يوم نفسا، يحكى لنا محمود كعت أنه لما خرج إلى الحج في أحد المواسم حمل معه قوة عظيمة، من المال الكثير وثمانون ألفا من الجند وخمسمائة من النسوة وثمانية آلاف وسبعمائة من العبيد وقيل ستون ألف رجلا وخمسمائة من العبيد.
أما أعماله العسكرية فقد كانت مهمة وكثيرة، فكان أول ما قام به هو بناء جيش قوي حتى أصبح لديه أقوى جيش في السودان الغربي كله خلال تلك الفترة، وبعد أن فتح مناطق واسعة في الغرب حتى المحيط الأطلسي توسع باتجاه الشرق إلى أن وصلت حدود مملكته مشارف بحيرة التشاد.
ولما كان منسى موسى يدرك جيدا الأهمية الحيوية للمناطق التي تمثل ملتقى الطرق التجارية من الناجية الإقتصادية والسياسية، فإن أمير جيش منسى موسى قام بالسيطرة على مملكة السنغاي عام (717ه/1325م)، مستغلا بذلك ذهاب ملك السنغاي "ديا أسيبا" لأداء فريضة الحج فاستولى على العاصمة غاو وقدمها هدية لمنسا موسى عندما عاد من الأراضي المقدسة فدخلها فاتحا أين استقبله أمراؤها وقدموا له فروض الطاعة والولاء.
واصل منسى موسى فتوحاته حتى أصبحت امبراطوريته تضم كل التجمعات البربرية الواقعة جنوب الصحراء، كما امتد ملكه جنوبا إلى غاية غابات غينيا وشرقا بلاد الهوسا، كما فتح تنبكتو وجعل له فيها خليفة وابتنى بها دارا للسلطنة فسميت ب (مع دك) ومعناها في لغة المالنك دار السلطان كما بنى صومعة الجامع الكبير بها.
كما اعتنى الملك منسا موسى ببناء تنبكتو حتى أصبحت البلد الأم للتجارة في بلاد السودان في العصور الوسطى، كما أصبحت منارة علمية بقدوم الفقهاء والعلماء والأدباء إليها.
لقد كان منسى موسى أول من وضع جيشا قويا حتى أصبح أقوى جيش في السودان الغربي في تلك الفترة، وبعد أن فتح مناطق واسعة في الغرب حتى المحيط الأطلسي توسع شرقا حتى وصلت حدود مالي تتاخم بحيرة التشاد.
لقد أخرج منسا موسى امبراطورية مالي من عزلتها وأكسبها سمعهة دولية، أين ربط علاقات دبلوماسية مع سلاطين القاهرة والمغرب الأقصى الذين كان لهم سفراء في البلاط المالي ونفس الأمر كان لمالي سفراء في مراكش والقاهرة، فبفضل هذا الملك نالت مالي شهرة كبيرة في الأندلس ومراكش، ففي سنة (731ه/1339م) وجد اسم مالي مكتوبا على خرائط العالم الجغرافي الإيطالي "أونجيلو دولسرت"، كما وجد اسم مالي في الأطلس الجغرافي الذي وضعه" أبراهام كريسك" لشارل الخامس ملك فرنسا.
كما ذكر الرحالة والتاجر الإيطالي "مالفنت" في مذكراته أن جمهورية ايطالية كانت تطمح للإتصال بمالي والتعاون معها في عهد منسا موسى. وهكذا استطاع هذا الملك أن يعيد مجد مالي ويحافظ على استمرايتها.
أما عن وفاته فالمرجح أن يكون قد توفي عام (733ه/1332م) وولى بعده ابنه "منسا مغا" الذي توفي بعد أربع سنوات من الحكم، فخلفه عمه "منسا سليمان".