امبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي
تتناول هذه المحاضرة التكوين السياسي والتطور الحضاري لإمبراطورية مالي الإسلامية في السودان الغربي ما بين القرنين 13 و15م.
3. تأسيس امبراطورية مالي وتوسعها
يعتبر شعب المالنكي من أكثر الشعوب شهرة في منطقة النيجر والسنغال العلوييين، ومن أهم مجموعات ماندينغ الوسط خصوصا، بسبب الدور البارز الذي أدته هذه الجماعات الماندية في التاريخ الحضاري للمنطقة مثل الديولا، البمبارا والونغارة.
كما عرف شعب المالنكي بأنه شعب محارب وغازي كبير فضلا عن كونه من أكثر الشعوب انسجاما وتنظيما بين مجموعاته المختلفة، وهذا يعود للمجهودات التي قامت بها مختلف عشائره التي سكنته منذ القدم والتي قدرتها بعض المصادر بحوالي مائة عشيرة، ولما كانت بلاد الماندي مقسمة إلى إمارات وعشائر متنافسة فيما بينها، كان لابد أن تبرز إمارة على حساب إمارة وعشيرة على حساب عشيرة أخيرى، حيث برزت عائلة كيتا وسيطرت على كل العشائر الماندية مؤسسة بذلك مملكة مالي التي سرعان ما بدأت تكبر وتتوسع مشكلة بذلك امبراطورية بلغت جميع الممالك القديمة وأخضعتها لسيطرتها.
لكن قبل تأسيس هذه الإبراطورية تعرضت هذه العشائر إلى استعباد من قبل مملكة الصوصو التي سيطرت على مملكة غانة كونوا مملكة وثنية قوية على أنقاض مملكة غانة، الذين استبدوا بقائل المنطقة وشعوبها المسلمة واستعبدوهم وكان بينهم شعب الماندينغ والذين يعتبرون من أولى الشعوب السودانية التي اعتنقت الإسلام في غرب السودان، فكانت العداوة شديدة بينهما، الأمر الذي جعل هؤلاء يتصدون لهم حيث كان لعائلة كيتا زعيمة شعب الماندينغ الفضل الكبير في التصدي لجبروت الصوصو وحاكمها القوي "سمنغورو".
بالرغم من اعتناق أسرة كيتا الإسلام في وقت مبكر (442ه/1050م)، إلا أن المصادر العربية بقيت تفتقد للمعلومات الخاصة بالبدايات الأولى لامارة الماندينغ والتي كونت فيما بعد امبراطورية مالي. إلا أن المصادر الشفوية تتفق على أن عائلة كيتا تعد من أهم خمسة وثلاثون عشيرة مالنكية منذ أزمنة غابرة جدا، حيث استقروا حول نهر النيجر بالأخص الجزء الغربي منه، وفي شرقي السنغال وجنوبه، بالإضافة إلى ضفتي نهر غامبيا وغينيا بيساو.
وقد عرفت إمارة الماندينغ تحولا كبيرا في القرن (7ه/13م) حيث كان يحكمها ملك من أسرة كيتا يدعى "ناري فامغان" ما بين (615-628ه/1218-1230م). وكان له إثنا عشر طفلا قتلوا أثناء هجوم الصوصو على إمارة الماندينغ ولم ينجوا منهم سوى ابنه الصغير "ماري دياتا" أو "سوندياتا".
حيث تروي الرواية أن سمنغور احتقروه بسبب عاهته كونه لا يقف على رجليه فعاش طفولته صعبة وظل معقدا لفترة طويلة، وكانت أمه "سوغولون كوندية" موضع سخرية زوجات الملك "ناري فاماغان"، لكن تشاء الأقدار أن يتمكن "سوندياتا" من المشي وهو في السن السابعة من عمره، فأصبح يتزعم أقرابه، لكنه اضطر للهرب من الإضطهاد رفقة أمه وأخته وتوجه نحو غانة في كومبي صالح التي احتضنته، أين أعجب به ملك "منسا تونكارا" فأوكل له مسؤوليات كبيرة.
حيث كون جيشا نظاميا ذاع صيته فاستدعاه أهل إمارة الماندينغ فلبى الدعوة وانضمت إليه كل جيوش العشائر الماندية، عندما تجهز هذا الجيش الكبير أعلن "سندياتا" الحرب على زعيم الصوصو الملك "سمنغورو كانتي" قاتل أبيه وأخوته ومنهك حرمة وطنه وقد كان ذلك عام (631ه/1235م) بمنطقة كيرينا.
بعد هذا الإنتصار انتزع سندياتا من ملك الصوصو وملك غانة الملك وتوجه نحو الشرق بفتوحاته في فوتا جالون والنيجر وجني، فما إن حلّت سنة (638ه /1240م) حتى أصبح "سوندياتا كيتا" يتربع على عرش امبراطورية كبيرة، فاجتمع بكل الماندينغ والمناطق الخاضعة له بمنطقة "كوروكنفوقا" قرب "كنقابا" وهي إحدى المدن المالية الواقعة على نهر النيجر، أين منح كل واحد من حلفاءه جزء من مملكته كما بايعه زعماء القبائل الخاضعة له واعترفوا له بالأمبراطور. كما قام بنقل عاصمة الإمبراطورية إلى "نياني" بدلا من "جليبا" التي كانت تمثل عاصمة الامبراطورية لكونها لم تعد تصلح ولا تتسع لبلاط الملك ونشاط دولته.
بالنسبة لحدودها؛ لقد كان عام (638ه/1240م) بداية اعتلاء "سوندياتا" عرش الإمبراطورية المالية، التي توسعت حتى بلغت حدود بلاد البورنو وباتجاه الشمال نحو بلاد البربر أما جنوبا أصبحت تحاذي بلاد الهمج الوثنيين، كما بلغ جهة الغرب البحر المحيط.