هذه المحاضرة تعرض مقدمة عن الفلسفة التجريبية، أصولها، وأهم مذاهبها وروادها وحجج الفلسفة التجريبية وبعض الردود عليها
التجريبية، في الفلسفة، هي الرأي القائل بأن جميع المفاهيم تنشأ من التجربة، وأن جميع المفاهيم تتعلق أو تنطبق على أشياء يمكن تجربتها، أو أن جميع المعتقدات أو المقترحات المقبولة عقلانيًا لا يمكن تبريرها أو معرفتها إلا من خلال التجربة. يتوافق هذا التعريف الواسع مع اشتقاق مصطلح التجريبية من الكلمة اليونانية القديمة empeiria، التي تعني ”التجربة“.
يُقال إن المفاهيم ”لاحقة“ (باللاتينية: ”من الأخيرة“) إذا كان لا يمكن تطبيقها إلا على أساس التجربة، وتُسمى ’سابقة‘ (”من الأولى“) إذا كان يمكن تطبيقها بشكل مستقل عن التجربة. يُقال إن المعتقدات أو المقترحات لاحقة إذا كانت معروفة فقط على أساس التجربة، وسبق إذا كانت معروفة بشكل مستقل عن التجربة (انظر المعرفة اللاحقة). وبالتالي، وفقًا للتعريفين الثاني والثالث للتجريبية أعلاه، فإن التجريبية هي الرأي القائل بأن جميع المفاهيم، أو جميع المعتقدات أو المقترحات المقبولة عقلانيًا، هي لاحقة وليست سابقة.
كان توماس هوبز (1588-1679) مادياً واسمياً، وجمع بين التجريبية المتطرفة في المفاهيم، التي رأى أنها نتيجة للتأثيرات المادية على الحواس الجسدية، والعقلانية المتطرفة في المعرفة، التي اعتبرالهندسة، مثل أفلاطون، نموذجاً. بالنسبة له، كل المعرفة الحقيقية هي معرفة بديهية، وهي مسألة استنتاج صارم من التعريفات. توفر الحواس الأفكار؛ لكن كل المعرفة تأتي من «الاستنباط»، من الحسابات الاستنتاجية التي يتم إجراؤها على الأسماء التي أطلقها عليها المفكر. ومع ذلك، فإن كل المعرفة تتعلق أيضًا بالوجود المادي والمحسوس، لأن كل ما هو موجود هو جسد. (من ناحية أخرى، يبدو أن العديد من أهم ادعاءات هوبز في مجال الأخلاق والفلسفة السياسية هي بالتأكيد لاحقة، من حيث أنها تعتمد بشكل كبير على تجربته مع البشر وطرق تفاعلهم
أكثر عرض مفصل ومؤثر للتجريبية قدمه جون لوك (1632-1704)، وهو فيلسوف من أوائل عصر التنوير، في أول كتابين من كتابه ”مقال في الفهم البشري“ (1690). وقد رأى أن كل المعرفة تأتي من الحواس أو من التفكير، وهو ما يعني به الوعي الذاتي بعمل العقل. غالبًا ما بدا أن لوك لا يفصل بوضوح بين مسألتين هما طبيعة المفاهيم وتبرير المعتقدات. ورغم أن كتابه الأول بعنوان «الأفكار الفطرية»، فإنه مكرس في معظمه لدحض المعرفة الفطرية. ومع ذلك، اعترف لاحقًا بأن الكثير من المعرفة الجوهرية — ولا سيما في الرياضيات والأخلاق — هي معرفة بديهية. وجادل بأن الرضع لا يعرفون شيئًا؛ وأنه إذا قيل إن البشر يعرفون فطريًا ما يمكنهم معرفته، فإن كل المعرفة تكون، بشكل بديهي، فطرية؛ وأنه لا توجد معتقدات مقبولة عالميًا.
كان لوك أكثر اتساقًا بشأن الطابع التجريبي لجميع المفاهيم، ووصف بالتفصيل الطرق التي يمكن بها دمج الأفكار البسيطة لتشكيل أفكار معقدة لما لم يتم تجربته في الواقع. اعتبر مجموعة من المفاهيم التجريبية المشكوك فيها — مثل الوحدة والوجود والعدد — مستمدة من الحواس والتفكير. لكنه سمح بمفهوم واحد بديهي — وهو مفهوم الجوهر — الذي يضيفه العقل، على ما يبدو من موارده الخاصة، إلى مفهومه عن أي مجموعة مرتبطة بانتظام من الصفات المحسوسة.