إن الأهمية الجيوستراتيجية التي تحظى بها منطقة البحر الأبيض المتوسط لا تقتصر فقط على القوى الدولية الكبرى والحضارات المتواترة على المنطقة. بل أخذت نصيب كبير من جهود الباحثين والمفكرين حول المنطقة، فهناك العديد من الكتابات حول منطقة المتوسط التي تطريح قضايا متنوعة مربوطة بالأساس حول قضايا التعاون والتنافس. وبما أن المنطقة تتوسط العالم فإنها تشكر محوراً أساسيا في العلاقات الدولية نظرا لما تمتلكه من مقومات جيواستراتيجية وموارد طبيعية ومقومات اقتصادية ضخمة. بالإضافة إلى ذلك فالمتوسط يعتبر حلقة ربط سلاسل الإمداد لمختلف السلع والخدمات. على هذا الأساس بات اهتمام دول المنطقة والقوى الصاعدة والكبرى يتزايد لأن من يسيطر على المنطقة يهيمن على المنطقة يهيمن على كل العالم. أولاً: منطقة البحر الأبيض المتوسط دراسة مفاهيمية: نظرا للأهمية التي تحظى بها منطقة البحر الأبيض المتوسط، خاض في دراساتها الخبراء والباحثون في المختلف المجالات سواء المختصون في مجالات السياسة والعلاقات الدولية، الاقتصاد، الجغرافيا، الديمغرافيا وتوزيع السكان، التاريخ، وغيرها من المجالات. هذا التنوع أدى إلى تعدد المفاهيم للمنطقة لأن كل باحث ينظر إليها من زاوية تخصصه. تعريف منطقة البحر الأبيض المتوسط: منطقة البحر الأبيض المتوسط هي منطقة جغرافية على الكرة الأرضية تطل على البحر الذي سمية عليه الذي يعتبر عبر قاراتي ليشمل في امتداده كل من أوروبا شمالا وأفريقيا جنوبا وأسيا شرق، فهو محصور بين هذه القارات الثلاث. كما له اتصالات مائية مع المحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق، وبالبحر الأسود عبر مضيق الدردنيل والبسفور، وبالبحر الأحمر عبر قناة السويس. كما أنه يغطي مساحة تقارب 2.5 مليون كيلو متر مربع. أولا: مسارات التعاون المتوسطي 1- التعاون في المجال البيئي والتنمية المستدامة: أ- خطة عمل البحر الأبيض المتوسط تم بعث خطة عمل البحر الأبيض المتوسط سنة 1975 كاتفاقية بيئية متعددة الأطراف في سياق برنامج البحار الإقليمية التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وافقت آنذاك بلدان البحر الأبيض المتوسط والجماعة الأوروبية (قبل نشأة الاتحاد الأوروبي) على هذه المبادرة كإطار مؤسسي للتعاون في مواجهة التحديات المشتركة المتعلقة بالتدهور البيئي البحري. وتم تحت رعاية خطة عمل البحر المتوسط لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة اعتماد اتفاقية إطار مخصصة لحماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث سنة 1976. وتم تعديل هذه الاتفاقية بعد عقدين من الزمن لتشمل المفاهيم الرئيسية التي تم تبنيها في مؤتمر ريو (قمة الأرض) سنة 1992 إلى جانب تضمين السواحل في نطاقها. وفي سنة 1995 تم اعتماد اتفاقية حماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر الأبيض المتوسط ( اتفاقية برشلونة). وأفضت جهود خطة عمل البحر المتوسط لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والأطراف المتعاقدة في اتفاقية برشلونة ( 21 بلدا ساحليا والاتحاد الأوروبي) إلى وضع إطار مؤسسي وقانوني وتنفيذي شامل، تم بناؤه تدريجيا ليدمج اللبنات الأساسية لتحقيق الاستدامة في البحر الأبيض المتوسط. وتمخض عن اتفاقية برشلونة ما يلي: - إنشاء الصندوق الاستئماني الإقليمي للبحر الأبيض المتوسط لحمايته من التلوث سنة 1979. - أعيد إطلاق المرحلة الثانية من خطة عمل البحر الأبيض المتوسط تحت تسمية "خطة العمل لحماية البيئة البحرية سنة 1995. وتحقيق التنمية المستدامة للمناطق الساحلية للبحر الأبيض المتوسط. واعتمدت الأطراف المتعاقدة تعديلات جوهرية على اتفاقية برشلونة تحت مسمى " اتفاقية حماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر الأبيض المتوسط"، ويشمل المبادئ الرئيسية التي اعتمدت في مؤتمر ريو التاريخي لسنة 1992، بما في ذلك الاستخدام المستدام للموارد البحرية والساحلية والتنمية المستدامة. ب- لجنة البحر الأبيض المتوسط المعنية بالتنمية المستدامة: أنشئت سنة 1996 لجنة البحر الأبيض المتوسط المعنية بالتنمية المستدامة، وفقًا للمادة 4 من اتفاقية برشلونة كهيئة استشارية للأطراف المتعاقدة لمساعدتها في جهودها الرامية إلى جعل القضايا البيئية جزءً من برامجها الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز سياسات التنمية المستدامة في منطقة وبلدان البحر الأبيض المتوسط. واللجنة تعتبر بمثابة منتدى لتبادل الخبرات والتعلم من الأعضاء. أما عضويتها فهي تتكون من الأعضاء الحكوميين بالإضافة إلى الفواعل المحلية والأكاديميين والمنظمات الحكومية وغير الحكومية. - سنة 2008 تتقيد منظومة خطة عمل البحر الأبيض المتوسط –اتفاقية برشلونة بنهج النظام الإيكولوجي- كمبدأ شامل. وتتضمن العديد من قرارات مؤتمر الأطراف في اتفاقية برشلونة اعتماد رؤية قائمة على النظام الإيكولوجي لبحر وساحل متوسطي سليم ومنتج إلى جانب 11 هدفا إيكولوجيا متوسطيا وخارطة طريق، لدعم الجهود الوطنية الإقليمية الرامية إلى تحقيق وضع بيئي جيد في البحر المتوسط. - 2008 مكرر: وضع الإجراءات والآليات المتصلة بالتقيد بخطة عمل البحر الأبيض المتوسط –اتفاقية برشلونة. تقديم لجنة الامتثال المشورة والدعم للأطراف المتعاقدة في جهودها للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها مع تعزيز الامتثال في آن واحد. - سنة 2015 اعتمدت أول استراتيجية متوسطة الأجل ضمن خطة عمل البحر المتوسط، مدتها ستة سنوات (2016-2021) واستراتيجية البحر الأبيض المتوسط للتنمية المستدامة للفترة (2016-2025) والتي تهيئ إطارًا استراتيجيا للسياسة العامة من أجل ضمان مستقبل مستدام لمنطقة البحر الأبيض المتوسط بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة. - عقد سنة 2019 الاجتماع الحاد والعشرون للأطراف المتعاقدة في اتفاقية برشلونة يعتمد إعلان نابولي الوزاري، الذي يصف سنة 2020 بأنه "نقطة تحول حاسمة للحفاظ على البحر الأبيض المتوسط وساحله وإدارتهما إدارة مستدامة" ويؤكد على الحاجة إلى تغيير بنيوي تدعمه استراتيجيات وسياسات وسلوكيات تطلعية ومبتكرة. 2 التعاون في المجال الأمني: يعد التعاون الأمني في منطقة المتوسط ضورة استراتيجية لمواجهة التهديدات المشتركة كالإرهاب، الهجرة غير الشرعية، الجريمة المنظمة، وويرتكز على مبادرات أورومتوسطية ( مثل مسار برشلونة وحوارات مع حلف الناتو. ويشمل التعاون التنسيق العملياتي بين ضفتي المتوسط، مع التركيز على الأنماط المرنة، تبادل المعلومات، وتأمين الحدود البحرية للحد من الأزمات. أ- أبرز محاور وهياكل التعاون الأمني المتوسطي: * الإطار الأورومتوسطي (برشلونة 1995): يسعى لترسيخ "الأمن الكلي" وبناء منطقة آمنة ومستقرة، وتطور هذه الإطار عبر سياسة الجوار الأوروبية وصولا إلى الاتحاد من أجل المتوسط. * حوار المتوسط مع (NATO): يهدف هذا الحوار منذ 1994 إلى مساهمة في الأمن الإقليمي، تحقيق التفاهم المتبادل، وتبديد المفاهيم الخاطئة عن الناتو في دول جنوب المتوسط. * منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE): تعمل مع شركاء المتوسط على القضايا الأمنية، الاقتصادية والبيئية. وتبنت إعلانات لتعزيز التعاون في مجالات الهجرة، الشباب ومكافحة الإرهاب. * مبادرة أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف: مثل الدورات البحرية المشتركة. ب- الشراكة في المجال السياسي الأمني: تعد الشراكةأو التعاون في المجال السياسي الأمني من أهم الأبعاد التي يسعى الأطراف إلى تجسيدها، خاصة الدول الأوروبية، حيث تغيرت العقيدة لكل دول الاتحاد الأوروبي بعد أحداث 11 سبتمبر لمواجهة التعقيد الأمني الذي بات يهدد المنطقة، وتعتبر " الهجرة غير الشرعية، الإرهاب، الجريمة المنظمة تجارة الأسلحة والمخدرات من أعقد هذه التحديات. ومن أهم الأهداف السياسية والأمنية للتعاون الأورومتوسطي ما يلي: -تعليق الأزمات والصراعات وحلها دبلوماسيا (الدبلوماسية الؤقائية). - الدفاع عن حقوق الإنسان والدفع لتبني مفاهيم الدمقرطة للأنظمة السياسية. - المشاركة في مكافحة الإرهاب ودعم الجهود والسياسات الرمية لمكافحته. - إعادة بناء الثقة بين الدول الأطراف. إقامة حوار دائم حول القضايا الأمنية والسياسية. -مكافحة الجريمة المنظمة ومكافحة المخدرات من جميع جوانبها. - تعزيز الأمن الإقليمي، والحد من انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية Non-prolifération nucléaire, chimique et biologique، من خلال الالتزام والامتثال لاتفاقيات الحد من التسلح ونزع السلاح مثل التمسك بمخرجات معاهدة خظر الانتشار النووي، اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، انتافقية الأسلحة البيولوجية، معاهدة حظر التجارب النووية. والنظر في الخطوات العملية لمنع انتشار الأسحلة النووية والكيميائية والبيولوجية وكذلك التراكم المفرط للأسلحة التقليدية. - الامتناع عن تطوير القدرات العسكرية لتجاوز المتطلبات الدفاعية المشروعة، مع التأكيد مجددا على تحقيق نفس المستوى من الأمن والثقة المتبادلة. - نعزيز الظروف التي تسمح بقيام علاقات حسن الجوار ودعم العمليات التي تهدف لتحقيق الاستقرار والأمن على الصعيدين الإقليمي ودون الإقليمي. - البحث في تدابير الثقة والأمن التي ينبغي اتخاذها فيي تجسيد "منطقة السلام والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط"، بما في ذلك إمكانية تنفيذ الميثاق الأورومتوسطي. الشكل رقم(1) تأثير الأوضاع السياسية على التعاون والشراكة في حوض المتوسط 3- التعاون الاقتصادي: يعتبر التعاون في المجال الاقتصادي من بين الركائز الأساسية للتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية في المنطقة قيمة 7.2 تريليون دولار سنة 2022، أي حوالي ثلث المبادلات التجارية العالمية. حيث تم وضع مجموعة من أهداف لتعزيز التعاون اقتصادي في منطقة البحر الأبيض المتوسط والاتحاد الأوروبي نص عليها البيان الختامي لمؤتور برشلونة، وكان الهدف الرئيس لهذا البعد هو تحقيق منطقة التبادل الحر من أجل الدفع بالتعاون الاقتصادي، مع ضرورة تحقيق التنمية الشاملة لكل الأطراف، كون أي استقرار سياسي وأمني واجتماعي مرتبط بدرجة كبيرة بالجوانب الاقتصادية. كما شهد التطور الصناعي في المنطقة مسارات متباينة، لكنه يسجل عموما نموً قويا في صادرات الآلات والكمياويات ومعدات النقل، مما يشير إلى تحويل نحو صناعات أكثر تقدما وأنشطة ذات قيمة مضافة أعلى. وفي المقابل، تظهر قطاعات أخرى مثل صناعات النسيج اتجاهات متراجعة مما يسلط الضوء على الحاجة إلى التكيف والابتكار للحفاظ على القدرة التنافسية في السوق العالمية ومنطقة حوض المتوسط. أما فيما يخص تبادل الاستثمار في منطقة البحر الأبيض المتوسط، فقد يعتبر هذا القطاع ركيزة أساسية للشراكة الاقتصادية بين ضفتي الشمال (الاتحاد الأوروبي) والجنوب ( الدول العربية). حيث يهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي، التنمية المستدامة، وزيادة التدفقات التجارية. وأبرز جوانب تبادل الاستثمارات والشراكة في المتوسط يمكن تلخيصها فيما يلي: - إطار الشراكة الأورومتوسطية: * مؤتمر برشلونة1995: وضع الأسس للشراكة الشاملة، مع التركيز على الجاني الاقتصادي والمالي لإنشاء منطقة تبادل حر؛ * برنامج MEDA: وهو الآلية المالية والتقنية الرئيسية للاتحاد الأوروبي لدعم الشراكة الأورومتوسطية، يهدف إلى إصلاح الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في دول حوض المتوسط. ركز بالأساس على تأهيل وعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، دعم القطاع الصناعي وتسهيل الانتقال نحو منطقة تبادل حر. * اتفاقية أغادير: تجمع يضم الأردن، تونس، مصر والمغرب لعزيز التبادل التجاري الحر فيما بينها، كنواة للشراكة الأوسع مع أوروبا. - مجالات التعاون الاستثماري في منطقة المتوسط: * الطاقة والصناعة: تعزيز التكامل الصناعي وتقليص الواردات، بالإضافة إلى مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة وتبادل الخبرات فيها ونقل الاستثمارات. الصيد البحري وتربية المائيات: تطوير التعاون في البحث العلمي، المراقبة البيئية للمزارع المائية، وتحديث القطاع. * الانتقال الأخضر: الاستثمار في نماذج التنقل المستدام والابتكار والاعتماد على الطاقات المتجددة والتعاون البيني لتطويرها. تشهد منطقة البحر الأبيض المتوسط تنافسا جيوسياسيا واقتصاديا محتدما، خاصة الجزء الشرقي منه، مدفوعا بالصراع على الموارد الطاقوية وتأمين الممرات البحرية والنفوذ السياسي بين القوى الإقليمية والدولية. ويرتكز التنافس حول محاور رئيسية تشمل الهيمنة على الطاقة، النزاعات الحدودية وتدخل القوى الكبرى (روسيا الصين، تركيا والغرب). أبرز ملامح التنافس في منطقة التنافس: * التنافس على الطاقة وموارد شرق المتوسط: يعد اكتشاف احتياطات كبيرة من الغاز والنفط في شرق المتوسط محركاً رئيسياً للتنافس حيث تسعى الدول لتثبت حقوقها البحرية وتأمين مسارات التصدير، مما يرفع من حدة التوتر مثل ما يحدث بين تركية والكيان الصهيوني، وتركيا وقبرص. * التنافس الروسي التركي: يمتد التنافس التقليدي بين روسيا وتركيا إلى حوا المتوسط، حيث تسعى الدولتان لتعزيز نفودهما الطاقوي والجيوسياسي في المنطقة. * إعادة تشكيل الجيوسياسة الأمنية: تشهد المنطقة تحولات في موازين القزى، وتحديدا بعد الحرب في غزة وتداعياتها والحرب الصهيوأمريكية على لإيران ولبنان، الحروب الداخلية في كل من سوريا اليمن السودان ليبيا بدعم من قوى خارجية مما يعيد رسم خريطة التحالف والنزاعات. * التنافس الدولي ( الغربي الشرقي): يتنافس القوى الكبرى على مناطق النفوذ لضمان المصالح الأمنية والاقتصادية، خاصة مع أهمية المتوسط كممر تجاري حيوي. التحديات الأمنية والتعاون: التحديات الأمنية والتعاون: يوازن المشهد بين التعاون الأورومتوسطي لمواجهة التحديات المشتركة (مثل الهجرة والأمن) وبين التنافس على النفوذ والسياسات المتنافرة. وامل تعزيز التنافس: • عدم التماثل في المصالح الاستراتيجية بين دول الضفتين الشمالية والجنوبية. • الصراعات الإقليمية المستمرة (ليبيا، الصحراء الغربية). • النزاعات حول ترسيم الحدود البحرية.
Modifié le: vendredi 5 juin 2026, 10:45