التّنقيط والتّشكيل
لـمّا اختلط العرب بغيرهم، وفسدت سلائق النّاس، نتيجة دخول الأعاجم في دين الله، من فرس وروم... بدأ اللّحن[1] يدخل اللّغة، ويفشو بين الناس، وممّا يروى أنّ أعرابيّا سمع من يقرأ الآية التالية:( وأذان من الله ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريء من المشركين ورسوله...)، سورة التوبة، الآية: 3، يقرأ (رسوله) الثانية المرفوعة بالجرّ، فقال الأعرابي: إن كان الله برئ من رسوله فأنا منه بريء، فأخذه القارئ إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -فحكى الأعرابي قراءته، عندها أمر عمر بتعليم العربية[2].
والقرآن الكريم لم يكن منقوطا، ولا مشكّلا، فكلّف زياد بن أبيه[3] أمير العراق (زهاء عام 67ه) أبا الأسود الدّؤلي[4] بوضع علامات إعرابية للرّفع والنّصب والجرّ (وهو ما نسمّيه اليوم بالشّكل).
فجاء أبو الأسود الدّؤلي بكاتب وقال له: أنا أقرأ وأنت تسمع وتنظر إلى فمي: (فإذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فأنقط نقطة فوقه، وإن رأيتني قد ضممت فمي بالحرف فأنقط نقطة أمامه، وإن رأيتني قد كسرت فمي بالحرف فأنقط نقطة تحته)، وكان هذا النّقط نقط تشكيل (إعراب).
فطريقة أبي الأسود كانت كما يلي:
-أن يضع للحرف المفتوح نقطة فوقه، وللمكسور نقطة تحته، وللمضموم نقطة أمامه.
بعد ذلك قام يحيى بن يعمر العدواني[5]، ونصر بن عاصم الليثي[6]، بوضع النّقط بتكليف من الحجّاج بن يوسف الثقفي[7].
وذلك للتّفريق بين الحروف التي لها شكل واحد مثل: ب، ت، ث ...
ثمّ وجدوا أنّه سيحصل اختلاط بين الشّكل الذي وضعه أبو الأسود الدّؤلي، والنقط التي وضعها يحيى ونصر، لأنّها كلّها نقط، فقام الخليل بن أحمد الفراهيدي[8] بإبدال شكل أبي الأسود بالشكل المستعمل اليوم.
[1] -اللحن: الخطأ، لحن في القراءة: أخطأ فيها.
[2] - ينظر البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ج:5، ص: 6.
[3] -زياد بن أبيه: أمير من القادة الفاتحين، من كبار رجال الدّولة الأمويّة، أصله من الطّائف، يكتنف الغموض نسبه لذا دعي (ابن أبيه)، كان واليا على الكوفة.
[4] -أبو الأسود الدّؤلي: هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي، (أبو الأسود) ولد سنة 605م، وتوفي 688م،
أوّل من أسّس النحو، ووضع الشكل للقرآن الكريم(الحركات)، له ديوان شعر.
[5] - يحيى بن يعمر العدواني: من علماء التابعين كان عارفا بالحديث والفقه.
[6] - نصر بن عاصم الليثي: كان فقيها عالما بالعربية.
[7] - الحجاج بن يوسف الثقفيّ: قائد وخطيب عربيّ كان واليّ على العراق.
[8] - الخليل بن أحمد الفراهيدي: سيّد أهل الأدب قاطبة في علمه، هو أوّل من استخرج علم العروض، علّم سيبويه والأصمعي، له كتاب العين وهو أوّل معجم عربيّ.