نشأة الخطّ العربيّ وتطوّره
كانت اللّغة العربية ولا زالت ملهما مهماً للدارسين والباحثين في شتّى المجالات والدّراسات، بعدّها لغة القرآن الكريم، إضافة إلى جمالية حروفها التي كانت مجالاً مهماً للفنّانين المهتمين بالخطّ العربي.
والخطّ العربي مهارة من المهارات التعليمية فهو يعني تحسين شكل الكتابة، أي كتابة الحروف
الهجائية العربية مفردة ومركبة على شكل كلمات وجمل، وهو وسيلة من وسائل تعبير الفرد على فكرة ما أو إحساس، وقد عرف الخطّ منذ القدم.
تعريف الخطّ:
لغة:
جاء في المعجم الوسيط أنّ الخطّ: السّطر، والكتابة ونحوها ممّا يخطّ باليد، والخطّ كلّ مكان يخطّه الانسان لنفسه ويحفره، والخطّ البياني في الهندسة: خطّ يبيّن الارتباط بين متغيّرين أو أكثر، وخطّ الاستواء في علم الجغرافيا: دائرة عرض الصّفر الّذي يقسّم الأرض إلى نصفين: أحدهما في الشّمال، والآخر في الجنوب، وخطّ الرّجعة: الطّريق الّذي يصل الجيش بمركزه، وخطّ النّار: الموضع الأماميّ من ميدان القتال، وفنّ الخطّ: فنّ تحسين الخطوط وتجويد الكتابة، والخطوط البرّية: الطّرق الّتي تسلكها السيارات وغيرها، والخطوط الجويّة: طرق الطّائرات في الجوّ، والخطوط المائية: طرق السّفن في البحر أو النّهر.[1]
وقد ورد مصطلح الخطّ في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وما كنتَ تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)، سورة العنكبوت، الآية: 48.
اصطلاحا:
أمّا في الاصطلاح فالخطّ رموز يرسمها الانسان، تمكّنه من كتابة الكلام في أي لغة من اللّغات، فهو
تصوير اللّفظ برسم الحروف الهجائية التي ينطق بها بتقدير الابتداء والوقف عليه وذاك بأن يطابق المكتوب المنطوق.
نشأة الخطّ العربيّ:
لا توجد آثار تدلّ على أنّ عرب الحجاز كانوا يعرفون الكتابة إلّا قبيل الإسلام، مع أنّهم كانوا محاطين من الشّمال والجنوب بأمم من العرب خلّفوا نقوشا كتابية تدلّ على معرفتهم بالكتابة، الأنباط في الشّمال كتبوا بالحرف النّبطي، وحمير في اليمن جنوبا كتبوا بالحرف المسند[2]، ولكنّها كانت مقتصرة على بعض الرّجال فقط.
وقد مرّ الخطّ العربيّ بأطوار كثيرة حتّى وصل إلى الصّورة التي نعرفها اليوم.
أصل الكتابة العربيّة:
اختُلف في أصل الكتابة العربيّة، ونشأة الخطّ العربيّ، وذهب الباحثون في ذلك عدّة مذاهب:
1-النّظريّة التّوقيفيّة:
يرى أصحاب هذه النّظريّة أنّ الكتابة العربيّة توقيفيّة؛ أي إنّها توقيف من عند الله –عزّ وجلّ-وإلهام منه، يقول أحمد بن فارس في كتابه الصّاحبيّ في فقه اللّغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها: "يُروى أنّ أوّل من كتب الكتاب العربيّ والسّريانيّ والكتب كلّها آدم –عليه السّلام-قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في طين وطبخه، فلمّا أصاب الأرض الغرق وجد كلّ قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسماعيل –عليه السّلام-الكتاب العربيّ."[3]
لهذا يذهب ابن فارس إلى أنّ الخطّ توقيف[4]، ويستدلّ بقوله تعالى:(اقرأ باسم ربّك الذي خلق1خلق الإنسان من علق2 اقرأ وربّك الأكرم 3 الذي علّم بالقلم 4 علّم الانسان ما لم يعلم5)، سورة العلق، الآية: 1-5.
2-وذهب بعضهم إلى أنّ الخطّ العربيّ مشتقّ من خطّ المسند (الحميريّ) وهو خطّ الحميريين في اليمن.
3-وذهب بعضهم إلى أنّ أصل الخطّ العربيّ الحيرة، وأنّ بعض العرب قاسوا هجاء العربيّة على هجاء السّريانيّة.
4-ويرى بعضهم أنّ أصل الكتابة العربيّة هو الخطّ المصريّ القديم (الهيروغليفيّة).
5-أمّا أصحاب الرّأي الحديث فيذهبون مذاهب مختلفة، منها:
-أنّه نتيجة هجرة العرب من قلب الجزيرة العربيّة إلى أطرافها باتّجاه اليمن وسوريا، عرفت عندها الحضارة، وسلكت سبيلها في المعيشة والعمران، وبعد احتكاكهم بالآرامين استعملوا لغتهم واشتقّوا لأنفسهم خطّا من خطوطهم لكنّهم احتفظوا بلغتهم العربية.
وقد أبدع الأنباط خطّا لأنفسهم، سمّي بالخطّ النّبطي.
وقد مروا في كتاباتهم بثلاث مراحل:
1-المرحلة الأولى: المرحلة الآرامية وقد كتبوا بالحروف الآرامية التي تميل إلى التربيع.
2-المرحلة الثانية: مرحلة الانتقال من الخطّ الآرامي إلى الخطّ النّبطي.
3-المرحلة الثالثة: مرحلة النضوج، وقد انتهى الخطّ النبطي إلى صورة أخيرة، وهي ميله إلى الاستدارة.
وقد اشتقّ العرب الشّماليون خطهم من آخر صورة من خطوط النّبط، ثمّ أخذ الخطّ العربيّ يتطوّر ويتفرّع إلى أنواع كثيرة.
تطوّر الخطّ العربيّ:
لقد نشأ الخطّ العربيّ بسيطا، شأنه في ذلك شأن كلّ الفنون، ثمّ تطوّر شيئا فشيئا على أيدي الخطّاطين الّذين اعتنوا بتحسينه وتزويقه إلى أن وصل إلى ما هو عليه اليوم من جمال وكمال.
وكان العرب قد عرفوا الكتابة منذ العصر الجاهليّ، وعند مجيء الإسلام كان في مكّة والمدينة من كان يعرف الكتابة، ودليل ذلك أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلّم-كان يعتق الأسير مقابل تعليمه لعشرة من أبناء المسلمين.
وقد نزل القرآن الكريم منجّما، بعضه في مكّة وبعضه في المدينة، فكان كلّما نزل شيء من القرآن كُتب.
وكان تجويد الخطّ العربيّ على مراحل، وفي مراكز متعدّدة، فأوّل العناية به كانت بالحجاز في عصر النّبوّة، وذلك لحاجتهم لتدوين القرآن الكريم.
كما كانت الكوفة مركزا من مراكز التّجويد والافتتان في الكتابة العربيّة، وذلك عندما اتّخذت مقرّا للخلافة أيّام عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-.
وإلى الكوفة ينتسب الخطّ الكوفيّ حيث كُتبت به المصاحف الأولى، ثمّ كُتبت بخطّ النّسخ.
ولما قامت الدّولة الأمويّة انتقلت الخلافة من الكوفة إلى دمشق، وانتقل مركز العناية بالكتابة العربيّة إلى الشّام، وعُني خلفاء بني أميّة بأمر الكتابة لإدراكهم وظيفتها في نشر الدّعوة.
والخطوط العربية أنواع كثيرة، منها:
-الخطّ الكوفيّ.
-خطّ النّسخ.
-خطّ الثّلث.
-خطّ الرّقعة.
-الخطّ الديواني.
-الخطّ الفارسي.
[1] -ينظر المعجم الوسيط، مجمع اللّغة العربيّة، القاهرة، مصر، الجزء: 1، ص: 274.
[2] -جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، سنة: 1983، المجلّد الأوّل، الجزء الأول، ص: 196.
[3] -الصّاحبيّ في فقه اللّغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها، أحمد بن فارس، علّق عليه ووضع حواشيه: أحمد حسن بسج، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ص: 15.
[4] -الصّاحبي في فقه اللّغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ص: 15.