كتاب حول ماهية الرقابة الادارية

يتناول هذا الكتاب التعريف بالرقابة الادارية  كمدخل مفاهيمي للمقياس

المبحث الثاني: مبررات الأخذ بالرقابة الإدارية والقيود الواردة عليها

المطلب الثاني/ القيود الواردة على الرقابة الإدارية

 لقد منح المشرع للمجالس الشعبية البلدية إختصاصات واسعة تتمثل في القيام برعاية جميع المصالح ذات الصبغة المحلية والتي تهم سكان المنطقة، كما منح هذه المجالس حرية واسعة في أداء هذه الاختصاصات وفي اختيار الأسلوب و الطريقة الملائمة لإشباع الحاجات العامة، إلا أنه في نفس الوقت فرض عليها رقابة إدارية (الوصاية) حتى لا تخرج هذه الهيئات عما سطره لها القانون، فتقرير هذه الوصاية وتحديد شروط استعمالها أمر طبيعي ومستساغ إذ لا يتصور أن يمنح المشرع استقلالا لهذه الهيئات دون أن يسلط عليها رقابة إدارية، كما لا يتصور أن يجعل هذه الرقابة مطلقة ودون حدود، ومن ثمة فهذه الرقابة الاستثنائية يتحتم بالضرورة إلا تمارس إلا في الحالات و الوسائل ووفق الأغراض التي رسمها القانون، وعليه فمثلما قيد المشرع استقلالية المجالس البلدية بالرقابة الإدارية فقد وضع قيودا على هذه الوصاية ويمكن إجمالها فيما يلي:

أولا/ القيود التشريعية

ويقصد بهذا القيد أنه لا يمكن لجهة الوصاية أن تمارس رقابتها على المجالس إلا بقانون أو طبقا لقانون إذ لا وصاية إلا بنص، فالأصل هو إستقلال هذه الهيئات اللامركزية وما الرقابة إلا استثناء من الأصل، وقد أثارت مسألة إنعدام النص جدلا حول مشروعية إدراج السلطة المركزية للمصروفات الإلزامية في بعض ميزانيات المجالس المحلية عند قيام هذه السلطة بإعتماد هذه الميزانيات دون أن يكون هناك نص يخول لها هذا الإدراج، ولقد أثير هذا الدفع أمام مجلس الدولة الفرنسي، فأقر هذا الإجراء من جانب الحكومة، ويرى البعض أن الإعتراف من جانب الدولة أن هناك نوع من الرقابة العليا تمارسها الحكومة تلقائيا ومباشرة وخارج النصوص القانونية، على المجالس المحلية لا يتفق والصفة الإستثنائية للوصاية الإدارية، وعلى أساس أن السلطة المركزية أو جهة الوصاية لا تمارس رقابتها إلا بنص، فإنه لا يمكن للمجالس المحلية أن تتنازل عن استقلاليتها لصالح السلطة المركزية كأن تسمح لها بأن تمارس عليها رقابة من غير نص قانوني، فحرية وإستقلال الهيئات اللامركزية شبيهة بحرية الأفراد، فكما لا يجوز للأفراد أن يتنازلوا عن حرياتهم، فكذلك لا يجوز للهيئات اللامركزية التنازل عن حرياتها لأنها مقررة للصالح العام، وعليه  فيجب أن تمارس هذه الرقابة وفقا لما ينص عليه القانون.

ثانيا/ القيود الخاصة بكيفية إستعمال الرقابة

ونعني بهذا القيد هو أنه لا يجوز لسلطة الوصاية أن تمارس وصايتها على الهيئة اللامركزية أو المجالس المحلية إلا وفقا للوسيلة وبالطريقة التي حددها لها القانون، حتى لا تتجاوز اختصاصاتها و تعتدي على استقلالية هذه المجالس ولو جزئيا، فإذا ما صدر عمل أو قرار عن الهيئة اللامركزية ورأت فيه السلطة المركزية مخالفة للقانون فإنها تلغيه أو تبطله وفقا للإجراءات القانونية المحددة، كما يثور التساؤل عن تدخل جهة الوصاية الإدارية، كأن تحل السلطة المركزية محل المجلس المحلي وتباشر عمل تقاعس المجلس في أداءه، فتدخل الهيئة المركزية لا يكون إلا إذا أجازه القانون بإتخاذ جميع الإجراءات القانونية وهو ما يعرف بالحلول، وتتمثل هذه الإجراءات التي ينص المشرع عليها في الإعذار و التسبيب و النشر و الإعلان و المواعيد وهذه الإجراءات والشكليات القانونية المنصوص عليها قررت لأجل الصالح العام.

ثالثا/ القيود التي ترد على الأغراض التي تستهدفها الرقابة

إن الهدف الذي وضعه المشرع من خلال فرضه للرقابة الإدارية هو التحقق من مشروعية الأعمال التي تصدرها المجالس المحلية، وعدم مخالفتها للقانون، فالرقابة الإدارية التي تمارسها سلطة الوصاية ليس الغرض منها تحقيق المصالح السياسية أو الشخصية أو الحزبية فلا يجوز لها أن تتستر وراء غطاء الرقابة من أجل تحقيق أغراض غير التي حددها القانون، وحتى عند مباشرة سلطة الوصاية لرقابتها فهي مقيدة بإتباع بعض الإجراءات التي نص عليها القانون، للتحقق من مدى مطابقة العمل الصادر عن المجالس المحلية للنصوص الدستورية و التشريعات العادية، وتدخل سلطة الوصاية في فحص أعمال المجالس المحلية لحماية الصالح العام، إذ يجب أن يكون تدخلها حقيقي لا وهمي ويجب أن يكون مبني على أسباب مستخلصة من وقائع ثابتة، وقائمة وقت تدخلها فلا تتذرع بوقائع نشأت بعد هذا التدخل، على إعتبار أنها تتعارض مع الصالح العام فلا يجوز لسلطة الوصاية أن تلغي قرار صادرا عن المجلس الشعبي البلدي بدعوة مخالفته الصالح العام إذا كان هذا القرار قد صدر تنفيذا لقانون ما، كما لا يصح لسلطة الوصاية أن تلغي قرارا صادرا عن المجلس المحلي سبق وأن تم التصديق عليه بدعوة أنها أخطأت في التصديق على هذا القرار، وحتى تضل الوصاية الإدارية في حدودها الطبيعية بحيث لا تنفي ولا تعتدي على إستقلالية المجالس المحلية فإن لممثل الهيئة اللامركزية حق الطعن في القرارات الصادرة عن سلطة الوصاية.

ولقد نص المشرع الجزائري في قانون البلدية (11/10) من خلال نص المادة (61)     والتي جاء فيها:» يمكن لرئيس المجلس الشعبي البلدي وفقا للشروط والأشكال المنصوص عليها قانونا، أن يرفع إما تظلما إداريا، أو دعوى قضائية أمام الجهات المختصة ضد قرار الوالي الذي يثبت بطلان أو رفض المصادقة على المداولة«.

فمن خلال إستقرائنا لنص المادة نستنج أن المشرع قد منح للمجلس الشعبي البلدي من خلال رئيسه حق الطعن ضد قرارات الوالي القاضية بإبطال أو رفض مداولة ما وذلك بإحدى الطريقتين، إما رفع تظلم أمام الجهات المختصة ويقصد منها المشرع الوزارة وإما أن يباشر دعوة قضائية أمام القضاء الإداري، وفق الإجراءات القانونية المنصوص عليها، وبمقارنة نص المادة (61) من القانون (11/10) مع نص المادة (46) من قانون البلدية  (90/08) نجد أن المشرع قد أضاف إجراء التظلم الإداري في القانون الحالي والذي لم يكن منصوصا عليه في قانون البلدية (90/08) وفي إعتقادنا أن العبرة في ذلك هو أن يمنح المشرع لسلطة الوصاية مراجعة قراراتها وفض الخلاف بطريقة ودية، طالما أن الهدف واحد وهو تحقيق المصلحة العامة، وحتى لا يقع إنسداد في عمل المجالس الشعبية البلدية و الدخول في صراعات مع الجهة الوصية، ولعل المشرع لاحظ أن اللجوء إلى القضاء يطيل أمد النزاع ومن ثمة أتاح اللجوء إلى التسوية الإدارية من خلال التظلم الإداري.