كتاب حول ماهية الرقابة الادارية

يتناول هذا الكتاب التعريف بالرقابة الادارية  كمدخل مفاهيمي للمقياس

المبحث الثاني: مبررات الأخذ بالرقابة الإدارية والقيود الواردة عليها

المطلب الأول/ مبررات الرقابة الإدارية

تجد الرقابة الإدارية مبرراتها في الدستور وفي القوانين والتنظيمات، ولعل من أبرز مبرراتها:

أولا/ إحترام مبدأ المشروعية

 ويقصد بمبدأ المشروعية بمعناه الواسع، سيادة القانون، أي خضوع جميع الأشخاص بما فيها السلطة العامة بكل هيئاتها و أجهزتها للقواعد القانونية السارية المفعول بالدولة.

فبالرغم من تمتع المجلس الشعبي البلدي بالاستقلال الإداري و المالي إلا أنه يجب أن تكون جميع أعماله وفق القانون، وهذا ما نصت عليه المادة الثالثة في قانون البلدية (11/10) التي جاء فيها »تمارس البلدية صلاحياتها في كل مجالات الإختصاص المخولة لها بموجب القانون« ، وكذلك نصت المادة (15) من نفس القانون في فقرتها الأخيرة على ما يلي »تمارس الهيئات البلدية أعمالها في إطار التشريع و التنظيم المعمول بهما«، وعليه يجب على المجلس الشعبي البلدي وعند قيامه بجميع صلاحياته أن يحترم ويراعي القانون حتى تكون هذه التصرفات سليمة ومراعية لمبدأ المشروعية ، ويتجلى إحترام هذه القواعد القانونية من طرف المجلس في الإلتزام بقاعدة التخصص التي تفرضها طبيعة الشخصية المعنوية له، ويقصد بقاعدة التخصص هو التزام المجلس بدائرة الغرض أو الأغراض المحددة قانونا مع الإمتناع عن تجاوز نطاق هذه الأغراض، فلا يجوز مثلا للمجلس الشعبي البلدي أن يمارس صلاحيات خارجة عن نطاقه، وتعود في الأصل إلا نطاق إختصاص السلطة المركزية، أو المجلس الشعبي الولائي، فإن تعداها يعتبر بذلك قد تجاوز إختصاصه وفي نفس الوقت إعتدى على اختصاصات سلطة أخرى وفي هذا تعدي على مبدأ المشروعية.

ثانيا/ تحقيق المصلحة العامة

إن الهدف من إعطاء أو منح الإستقلالية للمجالس المحلية، هو أن يؤدي المجلس عمله بعيدا عن أي ضغط من السلطة الإدارية المركزية عند مباشرتها إختصاصاتها المبينة قانونا، وكذا حتى تستطيع أن تلعب دورا هاما وأساسيا في تحقيق التنمية المحلية في جميع المستويات و الأصعدة وتحقيق المصلحة العامة، وتتمثل المصلحة العامة بمعناها الواسع في مصلحة الدولة و مصلحة الأشخاص اللامركزية ومصلحة المواطنين وقد عرفها الدكتور صالح فؤاد بأنها تشمل و تتألف من مجموعة المصالح القومية والمصالح الإقليمية و المرفقية و المصالح الفردية (المواطنين)، فالمصلحة العامة التي تسعى إليها الدولة من خلال فرضها للرقابة الإدارية على المجالس الشعبية البلدية، هو تحقيق وضمان الوحدة السياسية و الإدارية للدولة وضمان حسن إدارة و تسيير المرافق العامة، وعدم تغليب المصلحة المحلية على المصلحة الوطنية العليا للدولة، وكذلك ضمان حسن توجيه وإستعمال المال العام على إعتبار أن الدولة هي من تقوم بتمويل هذه الهيئة المحلية، وما على هذه الهيئة إلا أن تقوم بصرف المال العام في سبيل تحقيق المصلحة العامة، وكذلك ففي فرض الرقابة الإدارية على المنتخبين فيه حماية لمصلحة المواطنين من سوء إدارة هذه الهيئات أو إهمالها و التزام الحيدة و الإنصاف، وبالرجوع لقانون البلدية (11-10)  نجد أن المشرع الجزائري قد كرس هذا المبدأ من خلال نص المادة(12) منه والذي جاء فيها »قصد تحقيق أهداف الديمقراطية في إطار التسيير الجواري المذكور في المادة (11) أعلاه، يسهر المجلس الشعبي البلدي على وضع إطار ملائم للمبادرات المحلية التي تهدف إلى تحفيز المواطنين وحثهم على المشاركة في تسوية مشاكلهم وتحسين ظروف معيشتهم«. 

ثالثا/ تجسيد مبدأ الشفافية

ويقصد بمبدأ الشفافية هو أن تكون جميع أعمال وقرارات المجلس المحلي واضحة وقد إتخذت في ظل المصداقية التامة، فالشفافية هي عكس السرية وتستوجب توفير جميع المعلومات الكاملة عن نشاط الجهاز للصحافة والرأي العام وللمواطنين الراغبين في ذلك؛ خاصة وأن القائم على شؤون المواطنين هم من الشعب وتم اختيارهم عن طريق الإنتخاب أي بمعنى تم تزكيتهم، مما يفترض فيهم وفي أعمالهم الشفافية، وهنا يأتي دور السلطة الوصائية للكشف عنها ومراقبة مدى إحترامها وتجسيدها.

وقد أصبح مبدأ الشفافية اليوم مبدأ عالميا تنادي به جميع دول العالم، واتسع مجال تطبيقه خاصة بعد مصادقة الجزائر على إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بموجب المرسوم الرئاسي(04/128) المؤرخ في 19 أفريل 2004، وعليه فإن الشفافية في شخص المنتخبين وأعمالهم تؤدي إلى توسيع دائرة الثقة المتبادلة وترسيخها وتؤدي كذلك إلى استقرار المجلس الشعبي البلدي، ومن ناحية أخرى تؤدي إلى تمكين الجمهور من ممارسة الرقابة على تصرفات الإدارة و نشاطاتها و الكشف عن مواطن الخطأ والسلوكات الغير سليمة ومن ثمة تصحيحها، كما تغلق باب الفساد أمام من يسعى إلى تحقيق المصالح الشخصية طالما أن السلطة الوصائية تمارس مهامها بما خوله إياها القانون.

وقد كرس قانون البلدية مبدأ الشفافية في العديد من مواده حيث جاء في المادة (11) من القانون (11/10)  »يتخذ المجلس الشعبي البلدي كل التدابير لإعلام المواطنين بشؤونهم واستشارتهم حول خيارات وأولويات التهيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حسب الشروط المحددة في هذا القانون، ويمكن في هذا المجال استعمال على وجه الخصوص الوسائط و الوسائل الإعلامية المتاحة، كما يمكن المجلس الشعبي البلدي تقديم عرض عن نشاطه السنوي أمام المواطنين«

كما جسدت المادة (14) من القانون (11/10) مبدأ الشفافية حيث أجازة لكل شخص الاطلاع على مستخرجات مداولات المجلس الشعبي البلدي وكذا القرارات البلدية، ومكنت كل ذي مصلحة من استخراج نسخة من مداولات المجلس سواء كاملة أو جزئية على نفقته، كما ألزمت المادة (22) المجلس الشعبي البلدي إلصاق جدول أعماله ودوراته في الأماكن المخصصة للإعلان وقاعة الاجتماعات، كما فرضت المادة (26) على المجلس الشعبي البلدي أن تكون جلساته علنية ومفتوحة، أما المادة (97) فقد أرست قاعدة عامة تتعلق بتنفيذ القرارات البلدية حيث لا يتم تنفيذ القرارات التي يتخذها رئيس البلدية إلا بعد إعلامها للأطراف المعنية، كما ألزمت المادة (98) بأن ترسل نسخة من هذه القرارات إلى الوالي خلال 48 ساعة، وإن دل هذا فإنه يدل على مدى حرص المشرع على الشفافية التي إستوجبت أن يراعيها المجلس الشعبي البلدي في أعماله، لذلك شدد في هذه المواد على إعلام الجهة الوصية والجمهور على ما يدور في المجلس وعلى ما يتخذ من قرارات.