كتاب حول ماهية الرقابة الادارية

يتناول هذا الكتاب التعريف بالرقابة الادارية  كمدخل مفاهيمي للمقياس

المبحث الأول : تحديد مفهوم الرقابة الإدارية وخصائصها

المطلب الأول/ تعريف الرقابة الإدارية

الفرع الأل: رقابة أم وصاية

لقد اختلف الفقه في إعتماد مصطلح الوصاية التي تباشرها السلطة المركزية على الجماعات المحلية على اعتبار أن هناك فرق بين التسميتين.

 حيث يرى جانب من الفقه أن مصطلح الوصاية مجالها يكون في القانون المدني إذ يختلف بذلك عن نظام الوصاية في القانون الإداري حيث تقرر نظام الوصاية المدنية في القانون الخاص لحماية ناقصي الأهلية وهم المشمولين بالوصاية .

أما الوصاية الإدارية فلا يتصل الأمر فيها بنقص في أهلية الهيئة اللامركزية، كون هذه الأخيرة تعد كاملة الأهلية في مباشرة التصرفات القانونية، ولا تحتاج إلى وصاية، أما الغرض من الوصاية التي تفرض على ناقص الأهلية في القانون المدني هو حمايته في شخصه أو في ماله، على عكس الهيئة اللامركزية والجماعات المحلية يكون غرض الوصاية هنا هو حماية المصلحة العامة من تجاوزات الهيئة اللامركزية، ومن هنا ذهب هذا الجانب من الفقه إلى أن القول بالوصاية بدل الرقابة الإدارية يؤدي إلى الخلط بين الوصاية المدنية والوصاية الإدارية، في حين درج جانب أخر من الفقه إلى الإبقاء على مصطلح الوصاية كونه لفظ مختصر خلافا للفظ الرقابة الإدارية الذي يكون له مضمون أوسع من الوصاية، وقد تستعمل الرقابة في بعض الأحيان وسائل غريبة عن وسائل التي تستعملها الوصاية الإدارية.

غير انه بالرجوع إلى القانون الإداري نجد انه قد استعار وفي الكثير من الأحيان العديد من المصطلحات من القانون الخاص وأصبح لها معاني مغايرة في القانون الإداري، كالأهلية، والعقود الإدارية، المسؤولية الإدارية.

 الفرع الثاني/ تعريف الرقابة الإدارية

وتتمثل في ما تملكه السلطة الوصائية المختصة بالرقابة من سلطات محددة قانونا تمارس على الهيئات اللامركزية ذاتها، وعلى أعمال هذه الهيئات أي على القرارات التي تصدرها، كما تعرف أيضا أنها مجموع السلطات التي يقررها القانون لسلطة عليا على أشخاص الهيئات اللامركزية وأعمالهم بقصد حماية المصلحة العامة، كما يقصد أيضا بالرقابة الإدارية أو الوصاية الإدارية مجموعة السلطات المقررة قانونا للسلطة المركزية، للرقابة على هيئات إدارية لامركزية ضمانا لتحقيق المصلحة العامة، وتستهدف هذه الوصاية الحفاظ على الوحدة السياسية للدولة.

ومن خلال هذه التعريفات للرقابة الإدارية، نستنتج أنها عنصر أساسي من عناصر اللامركزية الإدارية إذ تخول للدولة حق ممارسة الرقابة على الهيئات اللامركزية ،إذ لا يعقل أن يمنح القانون لهذه الهيئات اللامركزية إستقلالية مطلقة حتى وان كانت تسعى إلى تسيير الشؤون المحلية عن طريق منتخبيها، إذ في ذلك قطع لأي علاقة بين الهيئات اللامركزية والسلطة الوصية ومن ثمة كانت هذه الرقابة الإدارية التي تمارسها السلطة المركزية لأجل الإبقاء على العلاقة مع الهيئات اللامركزية وتحقق بذلك الوحدة الإدارية  من جهة، ومن جهة أخرى حتى لا تحيد الإدارة المحلية عما أنيط بها من مهام وحرصا منها على حماية المصلحة العامة القومية وحماية المصالح المحلية والمواطنين من سوء إدارة ممثليها، كما أن القول بهذه الرقابة لا يتنافى وتمتع المجلس البلدي بإستقلاليته وتمتعه بالشخصية المعنوية، فالرقابة في هذه الحالة هي صمام الأمان، وبواسطتها يحفظ مبدأ المشروعية ويُضمن سلامة أعمال المجلس البلدي.

الفرع الثالث / تمييز الرقابة الإدارية عن السلطة الرئاسية

تعتبر السلطة الرئاسية أحد أركان النظام المركزي الإداري، وهي مجموعة من إختصاصات يباشرها كل رئيس في مواجهة مرؤوسيه وتجعل هؤلاء المرؤوسين يرتبطون به برابطة التبعية و الخضوع، ومن ثمة فإن السلطة الرئاسية تختلف عن الرقابة الإدارية، التي هي مجموعة السلطات التي يقررها القانون لسلطة عليا على أشخاص الهيئات اللامركزية و أعمالهم بقصد حماية المصلحة العامة.

وعليه فإن السلطة الرئاسية تختلف وتتداخل مع الوصاية الإدارية من حيث الطبيعة       والخصائص القانونية، ومن حيث الوظيفة والأهداف وكذا من حيث النطاق ومن حيث الوسائل، وقبل أن نتعرض لأوجه الإختلاف بينهما، سوف نوضح نقاط التداخل والتي تتمثل في:

تتداخل كل من السلطة الرئاسية و الرقابة الإدارية أن كلاهما تباشرها سلطة إدارية أعلى إزاء سلطة أدنى منها درجة، ومهما تعددت الأساليب فالرقابة الإدارية في نطاق الجهاز الإداري للدولة مركزي كان أو لا مركزي، تخضع في الأخير إلى سلطة مركزية عليا واحدة، تمارس رقابتها وإشرافها على أعضاء وأعمال الإداريين الخاضعين لها خضوعا رئاسيا، كما تمارس نفس هذه السلطة رقابتها و إشرافها على نفس الهيئات اللامركزية

و أعمالها.

وهذا التداخل لا يعني أن العلاقة بين السلطة المركزية و الجهات المشمولة بالوصاية، هي نفس العلاقة بينها وبين الجهات الخاضعة لسلطتها الرئاسية، فالفرق بينهما كبير، كما أن الجهة صاحبة السلطة الرئاسية والتي تمارس الوصاية الإدارية ليست في كل الأحوال السلطة المركزية، ونقصد من هذا التداخل أن السلطة الرئاسية والوصاية الإدارية يلتقيان كونهما في بعض الأحيان يمارسان من نفس الجهة وهي السلطة المركزية، كما يمكن أن نعتبر أن السلطة الرئاسية و الوصاية الإدارية فرعان لأصل واحد كونهما يمارسان من قبل الإدارة.             

أما مظاهر التفرقة و الإختلاف بين السلطة الرئاسية و الرقابة الإدارية تكمن من خلال:

أولا/ من حيث الطبيعة والخصائص القانونية

تعتبر فكرة السلطة الرئاسية فكرة سياسية قانونية فنية علمية وعملية، بينما فكرة الوصاية الإدارية فكرة قانونية بحتة من حيث أساسها وهدفها ومضمونها.

إذ لا وصاية إلا بنص فلا يمكن لجهة الوصاية أن تمارس رقابتها على الجهة المشمولة بوصايتها إلا إذا كان منصوصا عليها قانونا، فيبين عناصرها وأدواتها القانونية وكيفية ممارستها.

كما لا يمكن لجهة الوصاية عند ممارستها للرقابة على الهيئات اللامركزية أن تعدل في عمل أو قرارات الجهة المشمولة بوصايتها، فهي إما أن تصادق على أعمال هذه الهيئات أو توقفها دون إستبدالها أو حتى تعديلها، وهذا ما يجسد إستقلالية هذه الهيئات، عكس السلطة الرئاسية التي يملك فيها الرئيس سلطة التعديل أو حتى الإستبدال، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين السلطة الرئاسية والوصاية الإدارية.

ثانيا/ من حيث طبيعة الرقابة

تعتبر الوصاية الإدارية رقابة بسيطة وواضحة سواء من حيث الإجراءات أو حتى من حيث الممارسة الفعلية، وهذا لكونها منصوص عليها قانونا، عكس السلطة الرئاسية التي تتميز بنوع من التعقيد نظرا لمجموع الآليات القانونية التي تحكمها، كونها من موجبات النظام المركزي إذا تدخل الرئيس الإداري يكون من دون نص قانوني يخوله ذلك.

ثالثا/ من حيث قواعد المسؤولية

تتميز السلطة الرئاسية بأن المسؤول أو الرئيس يبقى مسؤولا على أعمال مرؤوسيه، ويتحمل هو نتائج الأعمال التي ينفذها المرؤوس، وهذا خلافا لسلطة الوصاية التي لا تتحمل فيها جهة الوصاية أي مسؤولية بل تبقى الهيئة المحلية مسؤولة عن أعمالها وقراراتها، حتى وإن حلت جهة الوصاية محل الهيئة المشمولة بوصايتها و قامت ببعض اختصاصاتها.

رابعا/ من حيث القابلية للطعن

لا يجوز للمرؤوس الطعن في قرارات الرئيس، وهذا نظرا لكون أنه من غير المنطقي أن نعترف للرئيس بهذه السلطات الرئاسية كإصدار الأوامر والتوجيهات والتعديل والإلغاء والحلول ثم نمنح للمرؤوس القابلية للطعن في هذه الأوامر والسلطات، لأنه في الأول والأخير لن يتنصل الرئيس من المسؤولية والمسائلة عن تصرفاته متى كانت غير مشروعة ، على غرار الوصاية الإدارية التي تجيز للهيئة المحلية الطعن سواء أكان إداريا أو قضائيا في قرارات السلطة المركزية أو من يقوم مقامها.