يعتبر المنظور المؤسسي من الأسس النظرية التي تستند إليها تحليلات السياسة العامة المقارنة التي لاتزال تمثل أساسا للتحليل والتفسير، وهذا لما تمثله المؤسسات السياسية من أهمية كبرى في حياة المجتمعات والدول وهذا ما يؤكده علماء السياسة المعاصرين أن أي نظام سياسي حديث سواء كان ديمقراطيا أو شموليا –يميز بالضرورة بوجود العديد من المؤسسات والإجراءات لحل وتسوية الصراعات التي تلازم المجتمعات الحديثة، ويرجع وينر نجاح مجتمع مقارنة بمجتمع آخر بمقدرة الأفراد المجتمع الناجح على بناء وتكييف واستمرار مؤسسات معقدة لإنجاز أهداف عامة [1]. إستنادا إلى هذا نجد أن هذا الاتجاه النظري له تأثير واسع على التحليل السياسي المقارن ويبرز ذلك جليا في التطورات النظرية والمنهجية التي شهدها حقل السياسة العامة المقارنة أين كان التحليل المؤسسي محل نقاش واهتمام الباحثين والدارسين، في هذا الصدد أظهرت الكثير من الأدبيات والإسهامات الأكاديمية على أهمية المؤسسات في التحليل المقارن وأصبحت مدخلا مهما لتفسير الكثير من الظواهر السياسية في مختلف البلدان رغم الانتقادات التي واجهها من طرف رواد المدرسة السلوكية لكن مع مرور الوقت أبان هذه الاتجاه النظري على أهميته المحورية في حقل السياسة المقارنة الذي يحيلنا إلى تسليط الضوء على طبيعة هذه التحولات والتطورات النظرية التي شهدها المنظور المؤسسي في المرحلتين التقليدية (ما قبل العلمية) والسلوكية وما بعد السلوكية (العلمية) الذي احتل مجالا واسعا ومهما للتحليل في السياسة المقارنة.
ولعل أن هذا التحول والناتج عن التحديات الفكرية اجتذبت المفكرين من مختلف الخلفيات الفكرية مما حفز النقاش في مجال السياسة المقارنة، وهنا لوحظ بروز ميولا نحو التوليف بين مختلف المناهج الفكرية وهكذا فإن مثقفا ماركسيا ما يزال يؤمن بأن أولئك الذين يهيمنون على مؤسسات الدولة مقيدين بأحكام عملية تراكم رأس المال، يقر في الوقت نفسه، بان ضمن تلك المقيدات يوجد متسع للمناورة وللسياسات والاستراتيجيات المتنافسة، وهنالك مجال لأجهزة الدولة المختلفة ليك تضع السياسات وتعكسها وأن تتخذ الاختيارات وترتكب الأخطاء، وهنا برز بعض التقارب باتجاه دراسة النتائج السياسية المتباينة والعلاقات البنيوية الكامنة فيها، وقد أعتبر هذا التوجه ملائما للممارسين التحليل المقارن للسياسات العامة[2] .
في هذا الإطار ركزت معظم أدبيات السياسة العامة في البلدان النامية على مناقشة وتحليل عمليات اتخاذ القرارات ووضع السياسة العامة، وتأكيدها على أهمية عامل النظام (Order) ودور مختلف النخب في عملية صنع السياسة العامة، وتهتم هذه الأدبيات بصفة عامة بكيفية تحسين قدرات اتخاذ القرار وتنفيذ السياسة العامة لدى النخب السياسية في الدول النامية، كذلك يبرز التركيز على ضرورة تركز السلطة والقوة في يد الحكومة المركزية، وهذا ما يشير إلى درجة تأثر هذه الأدبيات بأفكار صامويل هنتجتون حول مستوى المأسسة (Institutionalization) في الدول النامية وأثر ذلك على تنفيذ سياسة عامة معينة[3] .
[1] -عبد الغفار رشاد القصبي "أ" ، المرجع نفسه ، ص110.
[2] - أرنولد هايدنهايمر ، المرجع نفسه، ص 524.
[3] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.