2. حدود وامكانيات تطبيق العلاقات العامة في المؤسسات الجزائرية

ويمكن شرح حدود وإمكانات تطبيق العلاقات العامة (كعلم ووظيفة وممارسة في الجزائر) من خلال المستويات التالية:

المستوى الأول: التاريخي
بداية يجب التأكيد على ان فهم امكانيات وحدود تطبيق العلاقات العامة في الجزائر لا يتم بشكل جيد دون وضع الأمر في سياقه التاريخي المناسب لمعرفة كل الظروف والاحداث التي ادت مجتمعة إلى ظهور العلاقات العامة كحاجة اولا ثم كعلم ووظيفة تم تعميم استعمالها لاحقا داخل المؤسسات الاقتصادية او غيرها من المؤسسات غير الربحية ، حيث من المعلوم ان الوم أ كانت المهد الأول لظهور العلاقات العامة وذلك بعد الحرب العالمية الثانية ، ليتم بعدها الاستفادة من تجارب الرعيل الأول لرجال العلاقات العامة في الجانب الاقتصادي للمؤسسات التي كان عرفت اوج تنافسيتها والبحث عن متغيرات جديدة لخلق الميزة التنافسية والبحث عن انماط جديدة للتسيير والتغيير فكانت العلاقات الع هي المعبر من الجانب التجاري التسويقي إلى الجانب الانساني والخدمي ، غير أن الوضع في الجزائر كان مغايرا تماما فالجزائر كدولة حديثة الاستقلال عانت من تبعات الاستعمار ولايزال ايضا تأثرها بالدولة الاستعمارية في تبني انظمتها الاقتصادية ، الاجتماعية والتسييرية مع سوء تطبيقها وضعف مخرجاتها نتاج الواقع المعاش بالإضافة إلى العشرية السوداء وفترة الحكم السابقة للرئيس "المستقيل" والتي ادخلت البلاد في دوامات متتابعة حالت دون تطورها في كل المجالات بما فيها الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي كما سيتم شرحه لاحقا. وهذا كان سببا مباشرا حدْ من تطبيق العلاقات العامة كفلسفة ووظيفة وممارسة في الجزائر

المستوى الثاني: الأكاديمي

هذا المستوى يثير العديد من الاشكالات حول تعليمية التخصص في حد ذاته في الجزائر وهذا يستدعي منا اعادة النظر في الكثير من المشكلات المتعلقة بمنظومة التعليم العالي في الجزائر كون التخصصات الاكاديمية لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل، كما يطرح اشكال نوعية التكوين والاشكال الاصطلاحي في تسمية وظيفة العلاقات العامة وتدريسها، فهناك من يضعها ضمن اتصال المؤسسة او تخصص الادارة أو المانجمنت او التسويق ولكل تبريراته. وبما ان الجزائر تتبع الدول الفرنكفونية فهي اميل إلى استعمال مصطلح اتصال المؤسسة ويندرج ضمنه وظيفة العلاقات العامة، لكن بعض الجامعات الجزائرية بادرت لفتح تخصصات على مستوي الليسانس والماجستير (سابقا) والماستر وتخرجت عشرات الدفعات في التخصص دون ان يواكب ذلك تحولات مفاهيمية او مصطلحية أو حتى ممارسات بنفس الحركية على مستوى المؤسسات الاقتصادية، إذا فالقطيعة الموجودة بين الحركية الاكاديمية في التنظير والمصطلحات والتدريس والبحث وبين تطور المؤسسة حدْ من تطبيق العلاقات العامة.

المستوى الثالث: الاقتصادي

 ظهرت العلاقات العامة في الوم أ نتيجة الحركية اقتصادية ومجتمعية رأسمالية اضفت إلى بروز الاحتياج الملح إلى آليات جديدة لتحقيق الميزات التنافسية للمؤسسات الناجحة للضفر بمزيد الحصص السوقية وتوطيد علاقتها مع جمهورها وهذا الجو التنافسي كان بيئة حاضنة لتطوير انماط التسيير والتسويق والاستفادة من مخرجات البحث العلمي ، في حين نجد دول اخرى مثل الجزائر لاتزال تعاني من مشكلات اقتصادية عويصة واقتصاد هش مبني على الريعية ومداخيل البترول فقط ومؤسسات صورية تبني بقاءها على تمويل حكومي وليس على تنافسية او نجاح او تطوير اسس تسييرها ، وحتى تبني الانفتاح الاقتصادي واقتصاد السوق في التسعينات رافقته الكثيرات من التحديات وفكرة المقاولاتية وتكوين مؤسسات مصغرة في اطار مشاريع أونساج واونجام رافقتها العديد من المشكلات في التنفيذ والوصول إلى تحقيق حقيقي لجوهر هذه المؤسسات في خلق الثروة وفتح مناصب العمل لأنه انتهى العديد منها إلى الفشل ومجرد نهب للمال العام بسبب قلة الخبرة والمرافقة الحقيقية واليات المراقبة الصارمة.

المستوى الرابع المؤسساتي (الإداري) نمط التسيير

 نلاحظ غياب شبه تام لمكانة ودور العلاقات العامة والاعتراف بها كوظيفة قائمة بذاتها لها اهميتها البالغة في تحقيق اهداف المؤسسة ودعم البعد التجاري بالبعد الانساني والخدمي والعمل على بناء صورة ايجابية عن المؤسسة، في الهيكل التنظيمي لأغلب المؤسسات الجزائرية وان وجدت فهي تكون ضمن وظائف أخرى. مما يحد من اداء دورها خاصة مع وجود العديد من المشكلات التنظيمية المتغلغلة في الادارة الجزائرية بعيدا عن مشاكل العلاقات العامة مثل غياب الاهتمام بعمليات التشخيص والتقييم المستمر للأداء، شخصنة الادارة، سيرورة اتخاذ القرار، منظومة التحفيز، غياب الرقابة، محسوبية التوظيف ..... الخ

 المستوى الخامس الثقافي

 ثقافة المجتمع ككل (ارتفاع المستوى التعليمي ووعي الجماهير) يسهم في تكوين راي عام واعي ومتطلب وتعمل المؤسسة أكثر فأكثر على فهمه واستيعاب متطلباته

ايضا ثقافة المؤسسة وخصائصها ومنظمة القيم التي تحكم سلوكات الافراد داخل المنظمة، العادات والطقوس والمعتقدات المنتشرة والمتجذرة داخلها وتأثيرها ايجابا او سلبا على تطبيق العلاقات العامة كوظيفة وممارسة داخلها.

الصورة البصرية للمؤسسة وما تحمله من رموز ودلالات وبناء هوية المؤسسة هي من مهام رجل العلاقات العامة والتي تنعكس بشكل كبير على الصورة الذهنية للمؤسسة وهنا يمكن أن تطبق اما بشكل علمي وعملي محترف وجيد او بشكل اعتباطي او غير مدروس ويفتقد للمسة الابداعية. مثال: انتشار جمعيات حقوق المستهلك في الغرب كشريك أساسي لعمل العلاقات العامة وغيابها تقريبا في المجتمع الجزائري

المستوى السادس السياسي:

من المعلوم أن السياسة في الجزائر كانت دائما تحدد طبيعة النظام الاقتصادي وتؤثر عليه بشكل بالغ فمن الاستقلال كانت الاخيارات الاقتصادية مؤدلجة (من ايديولوجية) تخدم اجندات سياسية اكثر مما تحقق نمو اقتصادي وانتاج الثروة وخلق مناصب عمل وانشاه مؤسسات قوية واقتصاد قوي مبني على اسس تنافسية حقيقية البقاء فيها للأفضل مما نتج عنه انتشار الفساد الاداري والاقتصادي الذي عرف قمته خلال العشرين سنة الماضية كما هو معلوم حيث اختلط السياسة بالمال الفاسد وحولت زمام التحكم في المؤسسات والصفقات العامة من ايدي الدولة إلى يد افراد معينين ( العصابة ) وهذا الفساد كانت له آليات للتواجد والنمو والتطور تنافى تماما مع أسس العلاقات العامة في كسب تأييد وولاء الجماهير وتلبية احتياجاتهم وتقديم الخدمة الاجتماعية، ما نتج عنه رأي عام مضطرب غائب ورافض لكل الوضع والنتيجة كما هو معلوم حراك شعبي لاتزال تبعاته غير واضحة المعالم رغم كل ما حققه من نتائج وتغييرات.

المستوى السابع المعرفي (المعلوماتي)

 يعتمد نجاح العلاقات العامة بشكل اساسي على توفير المعلومات الكافية واللازمة وفي الوقت المناسب ، وكما هو معلوم ان مرحلة البحث والتقصي هي مرحلة قاعدية لنشاطات العلاقات العامة سواء في التشخيص او التخطيط وحتى مراحل التقييم، والملاحظ في الجزائر عموما والمؤسسة ايضا غياب ونقص كبير لهذه المعلومات من مصادرها الأولية والثانوية وتحيينها بشكل دوري وتلعب تكنولوجيا المعلومات هنا دورا بارزا في تقريب المؤسسة من جماهيرها وخلق تفاعلية وتوفير المعلومات وفق اساليب لجمع وتخزين واستعمال كم هائل من المعلومات في وقت اقل وبفاعلية أكبر. مقال: الديوان الوطني للإحصاء يقوم لا حصاء كل عشر سنوات في حين التخطيط يحتاج معلومات دقيقة على المستوى القصير، المتوسط وطويل المدى كما ان سبر الآراء ودراسات الجمهور تبقى قليلة وغير كافية سواء قامت بها المؤسسة نفسها او استعانت بمكتب دراسات او وكالات اتصالية

  المستوى الثامن البشري:

 تطبيق العلاقات العامة وانجاحها داخل المؤسسة الجزائرية متعلق بشكل كبير بالعنصر البشري المتمثل في مهارات رجل العلاقات العامة (النفسية المهنية، والاتصالية) وهذا يستدعي بالضرورة ان يكون المشتغل بالعلاقات العامة متحكما في عمله راغبا في ممارسته بشغف وتمكن واستحقاق.