الصحة وجودة الحياة

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Course: جودة الحياة والعجز اللغوي
Book: الصحة وجودة الحياة
Printed by: Guest user
Date: Thursday, 23 May 2024, 2:10 PM

Description

المحاضرة الرابعة والمحاضرة الخامسة

1. النماذج الكلاسيكية في تفسير الصحة

تمهيد:

     تعتبر الصِّحة من أقدم المفاهيم التي حاول الإنسان فهمها على مر العصور، إذ لا بد أن أولى الدراسات حول الصِّحة بدأت مع ظهور الرجل الأول، وذلك لأن الإنسان فضولي بطبعه، وهو يشاهد أبناء عشيرته يموتون أو يمرضون فان هذا المرض هو الذي يعرفنا بالصِّحة ومعنى التمتع بالصِّحة الجيدة وسط العائلة والأصدقاء. وقد سادت الاعتقادات الميتافيزيقية ذات الطابع الديني والشعوذة والسحر لمدة طويلة، وخير دليل على سيادة هذه المعتقدات على مجتمعات بكاملها لمدة طويلة من الزمن هو وجودها في بعض الثقافات الموزعة عبر مختلف مناطق العالم ليومنا هذا، إلا أن تقدم العلم ساهم في بناء وتصحيح العديد من المعلومات الصِّحية والطبية. سوف نتطرق في الجزء الأول إلى مفهوم الصحة وتطورها من التفسير الميتافيزيائي إلى التفسيرات العلمية الأكثر حداثة وشمولية.

1- مفهوم الصِّحة:

   لمصطلح الصِّحة عدة تعاريف، تختلف باختلاف التوجه والاختصاص والخط الزمني، وسنكتفي بتقديم أهم ما قدمته المراجع في المجال الصِّحي فقط. فالصِّحة ﻤﻔﻬﻭﻡ ﺸﺎﻤل ﻴﺤﺘﻭﻯ ﻜل ﺍﻟﻤﻨﺎﻁﻕ ﺍﻟﻤﺅﺜﺭﺓ ﻋﻠﻰ الحياة، ﻭالتي تتفاعل ﻤﻌﻬﺎ ﺨﻼل ﻋﻭﺍﻤل ﻤﺅﺜﺭﺓ ﺴﻭﺍﺀ بالإيجاب ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻠﺏ ﻭﻟﻭ ﺒﻨﺴﺒﺔ ﺼﻐﻴﺭﺓ. فمثلاً: من ﺍﻟﻌﻭﺍﻤل ﺃﻭ ﺍﻷﻓﻌﺎل الايجابية للصحة تمنع ﺍﻷﻤﺭﺍﺽ ﺃﻭ ﺘﺘﺠﻨﺏ ﺍﻟﺤﻭﺍﺩﺙ وﺘﺤﺴﻥ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻟﻸﻓﺭﺍﺩ المجتمعات. ﺃﻤﺎ ﺍﻟﻌﻭﺍﻤل ﺃﻭ ﺍﻷﻓﻌﺎل ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ، ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻤﺨﺎﻁﺭ ﺍﻟﺼﺤﻴﺔ فهي ﺍﻟﻌﻜﺱ تماماً، تسبب الأمراض، ﺍﻟﺤﻭﺍﺩﺙ، ﻜﺫﻟﻙ ﺘﺘﺩﻨﻰ ﺒﻤﺴﺘﻭﻯ ﺼﺤﺔ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﻭﺘﺠﻌل ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻓﺎﺴﺩﺓ ﻭﻏﻴﺭ ﺼﺎﻟﺤﺔ (محمد راتب وسلمى دوارة، 2008). ويعرفها قاموس علم النفس (Dictionary of psychology) الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، بأنها حالة الفرد الجسمية والعقلية والنفسية، والرّفاهية مقابل الخلو من أي مرض أو جروح أو أوجاع وشكاوي أو أعراض مقلقة (APA, 2015).  

    هذا التعريف لا يختلف عن التعريف التي وضعته منظمة الصِّحة العالمية (OMS, 1946)، وهو التعريف الأكثر شيوعاً واستعمالاً في المجالات الطبية والصِّحية. إذ تم تقديم الصِّحة على أنها حالة من الرّفاهية الجسمية والنفسية والاجتماعية (OMS, 2003). وقد وردت لاحقاً في ميثاق أوتاوا (La charte de Ottawa, 1986) حول ترقية الصِّحة إضافات لهذا التعريف: "الصِّحة حالة من الرّفاهية الجسمية، العقلية والاجتماعية للفرد أو الجماعة، ولا يمكن الوصول إلى هذه الحالة إلا بإشباع الحاجات الأولية والنمو السليم والتكيف مع المحيط." وقد أكدت منظمة الصِّحة العالمية في هذا الميثاق على خمسة دعائم أساسية لتعزيز الصِّحة، وهي: تبني سياسة حول الصِّحة، جعل البيئة الذي يعيش فيها المواطن محيط يليق بنوعية حياة طيبة، تعزيز العلاقات الاجتماعية، تدعيم أنظمة الرعاية الصِّحية وتطوير القدرات الشّخصية (J-P, Deschamps, 2003). 

      الصِّحة مفهوم معقد لا يُفهم إلا بالعودة إلى الإطار التاريخي لتطور هذا المفهوم ومختلف النظريات المفسرة لها.

2 - أولى محاولات التفسيرات العلمية:

     هناك العديد من التصنيفات القديمة للأمراض، والملاحظات العيادية لحالات مرضية، والتنبؤ بالصِّحة والمرض من خلال أنماط سلوكية وجسمية معينة، كما نجد عدة تطبيقات علاجية وطبية قديمة تعطي نتائج فعالة. ويعود توثيق بعض الطرق العلاجية إلى حضارة ما بين النهرين (1686-1782 قبل الميلاد)، وكانت الصِّحة تفسر على أنها لعنة ألاهية. كما نجد التطبيقات المصرية القديمة واليهودية ذات الطابع الديني والشعوذة، وفي الجهة الأخرى من الأرض في أقصى الشرق، كانت الهند قد اكتشفت طرقا بدائية ولكنها ناجحة في التطعيم من بعض الأمراض باستعمال سموم الأفاعي وبعض المواد، وقد اشتهرت الصين آنذاك بطريقة الوخز بالإبر وهي طرق مازالت معظمها تستعمل ليومنا هذا. أما اليونان فقد ازدهر الطب فيها خاصة مع أعمال التي جاء بها ديمقريط (Démocrite, 460-370 av JC) وسقراط (Socrate, 470-399) والتي بدأت حينها تتصف بالعلمية، وكانت الصِّحة بالنسبة إليهم هي نتيجة إفرازات لمختلف أمزجة الجسم. في حين لم تتأخر بغداد عن الدراسات العلمية حول الصِّحة التي قدمها الرّازي وابن سينا (980-1037) صاحب 150 كتاب في الصِّحة والمرجع الطبي الأهم إلى غاية نهاية القرن السابع عشر "قانون الطب"، ولقب بأمير الأطباء  (Jos. A. Massard, 2002).

3- التفسير البيوطبي (Le Modèle Biomédical):

     يفترض هذا النموذج الذي ساد خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن أسباب المرض عضوية محضة، وذات خصائص فزيولوجية، طبيعية، حيوية، بيولوجية، مكانيكية وكيميائية، ولا يتم دراستها إلا بالطرق المخبرية التجريبية والتشريحية. ولا دخل للعوامل النفسية والاجتماعية في حدوث المرض (Lellouch, A., 1994).

       سيطر النموذج البيوطبي على تفكير المهتمين لأكثر من 300 عام خلت، ويعتبر أن جميع الأمراض يمكن تفسيرها على أساس العمليات الجسمية الظاهرة. مثل حالات عدم التوازن البيوكيميائي أو الشذوذ في العمليات العصبية الفزيولوجية. ومع أن للنموذج البيوطبي فوائد لا يمكن الإغفال عنها في دراسة بعض الأمراض، إلا أن فيه بعض جوانب القصور. أولها: أن النموذج البيوطبي هو نموذج اختزالي (Réductionniste) وهذا يعني أنه يجعل تفسير الأمراض مقتصراً على الحالات التي تنشا عن تدني في مستوى الفعاليات، مثل اضطراب الخلية أو فقدان التوازن الكيميائي، كما أنه أحادي البعد، أي انه يقدم تفسيرات أحادية للأمراض، فيفسر المرض من منطلق اضطراب الوظيفة الحيوية (البيولوجية) دون الاهتمام بتعداد العوامل المسئولة عن تطوير الفرد للأمراض التي قد يرجع بعضها فقط للعوامل الحيوية، ويؤكد بشكل واضح على المرض وليس على الصِّحة (G. L. Angel, 1977). فجوانب القصور في النموذج البيوطبي عديدة، وهو يواجه صعوبة في تفسير السبب الذي يجعل تواجد مجموعة معينة من الأعراض لا تؤدي دائماً إلى الإصابة بالمرض. ولا نستطيع إسنادا إليه تعليل عدم حدوث المرض لكل من يتعرض إلى الفيروسات أو البكتيريا. فمثلاً إذا تعرض ستة أشخاص إلى جرثومة الحصبة، فلماذا يحتمل أن يصاب ثلاثة منهم فقط بمرض الحصبة؟ إن هناك عوامل نفسية واجتماعية تؤثر في قابلية الفرد لتطوير الأمراض، وهذه العوامل تم تجاهلها من قبل النموذج البيوطبي. وهناك قضية أخرى تتعلق فيما إذا كان العلاج سيؤدي إلى الشفاء أم لا؟ ومثل هذا الأمر يتأثر أيضاً بالعوامل النفسية والاجتماعية. ومثل هذه الأمور لا يمكن تفسيرها استنادا إلى النموذج البيوطبي (شيلي تايلور، 2008).

4- التفسير الوبائي (Le Modèle Epidémiologique):

        لقد ركزت البحوث الوبائية المبكرة على تحديد العوامل المرتبطة بالإصابة بالأمراض المعدية. وقد قام السير بيرسيفال (Sir Percivall Pott, 1714) وهو طبيب له إسهامات في مجال الطب خلال القرن الثامن عشر، والتي تمثلت في علاج الجروح، وإصابات العظام، وكذلك مرض السل في العمود الفقري، كما أنه كان باحث في الأورام السرطانية والأسباب البيئية أو المهنية، حيث لاحظ في إحدى الدراسات الوبائية المبكرة زيادة معدلات الإصابة بسرطان الخصيتين بين منظفي المداخن بانجلترا مقارنة بباقي السكان، وذلك لأنهم كانوا يتسلقون المداخن وهم عراة، مما يعرضهم أثناء تنظيفها لمدة طويلة لمادة السُخام (Soot) التي تحتوي على ما يعرف اليوم بمواد مسرطنة، وطبق بوت تكنيكاً وقائياً قبل ظهور ممارسات الصِّحة العامة والطب الوقائي، ويتمثل في زيادة الاستحمام والنظافة الشّخصية، وبالفعل لاحظ بعدها انخفاض معدلات الإصابة بسرطان الخصيتين بشكل كبير. (Kipling and Waldron, 1976) لكن جون سنو (John Snow, 1813-1858) هو أب علم الأوبئة، إذ استطاع التوصل إلى أن الإصابة بمرض الكوليرا تتم عن طريق انتقالها من خلال الماء الملوث في لندن عام 1854، وكان توزيع الماء يتم عبر شركات خاصة، وكانت إحدى هذه الشركات (The Southwark and Vauxhalt Company) التي لاحظ سنو أن معدلات الوفيات بمرض الكوليرا بين الأسر التي تمدها هذه الشركة بالمياه تتضاعف مقارنة بشركات أخرى، فتوصل خلال مزيد من التدقيق إلى أن مياه هذه الشركة ملوثة بفضلات مرضى مصابين بالفعل، وأن هذا هو المصدر الأساسي لوباء الكوليرا. وقد اتبع سنو أسلوبا منهجيا لدراسة انتشار وباء الكوليرا، فشرع في رسم خريطة المرض، وهي تسجيل حالات الوفاة من منزل لآخر في كل شارع واستخلص بذلك وجود نمط للتوزيع، وأصبح قادراً على حصر مصدر المرض في ضخ المياه في شارع برود (Broad Street)، ومنه استطاع بلورة نظريته وتأكيدها (هناء أحمد محمد الشويخ، 2012).

        مع التطور السريع الصناعي والاقتصادي وتراكم البنايات الفوضوية وظهور مدرسة التشريح (l’école de l’anatomo-clinique de Paris) واكتشافات باستور (Pasteur 1870-1880) بفرنسا حول ميكانزمات التعفن، وأن المكروبات سبب انتقال الأمراض ويمكننا علاجها والوقاية منها، واكتشافات كوش(Robert Koch)  في نفس الحقبة الزمنية بألمانيا حول إمكانية تربية ودراسة البكتيريا، ونشأة علم البكتيريا في أمريكا كتيار ثالث في وسط القرن العشرين تمحورت تفسيرات الصِّحة حول السيطرة على الأمراض المعدية والقابلة للانتقال عبر الماء، الحليب، المواد الغذائية والحشرات (Gaumer, B., 1995). فعلم دراسة الوبائيات يركز على الإصابة ومحددات المرض، كما يقدم معلومات ضرورية حول الأسباب المحتملة للمرض، والتي تمكن علماء النفس من أن يرسموا خطط تعزيز الصِّحة، وينشروا الرسائل الصِّحية والتعليمية التي تهدف إلى منع اعتلال الصِّحة والحفاظ عليها  (هناء أحمد محمد الشويخ، 2012).

لقد استفاد النموذج الوبائي الكلاسيكي من النموذج البيوطبي وأضاف إليه العوامل البيئية في الانتشار، ومازال يستعمل كمنهج طبي ليومنا هذا، مع ذلك فقد أهمل آنذاك الكثير من العوامل الاجتماعية والنفسية، مما مهد لظهور نماذج أكثر حداثة وشمولية.

5- التفسير البسيكوسوماتي (Le Modèle Psychosomatique):

     لقد حاولت مدرسة شيكاغو على يد ألكسندر (Alexandre, 1940-1950) وضع بروفايلات معينة للشخصية حسب الأمراض التي تقدمها. بالنسبة لألكسندر، الشّخصية هي التعبير عن وحدة الجسم، والحاجات الحيوية للفرد لا يمكن أن تشبع إلا إذا كانت تعمل في تناسق وتناغم تام بين مختلف أجزاء الجسم. هذا التوجه الجديد في ميدان الطب، يفسر العرض على أنه تعبير عن صراع داخلي، كما يمكن أن يكون اقتصاد انفعالي، ولكن في هذه الأخيرة لا يكون هناك إصابة عضوية قابلة للملاحظة تشريحياً، بل هناك خلل وضيفي على مستوى العضو. ومصطلح عصاب العضو يدل على وجود مكانزمات دفاعية في حين الأمراض السيكوسوماتية سببها نفسي. فمثلاً في حالة القرحة المعدية (L’ulcère Gastrique) هناك ارتفاع في الإفرازات المعدية قبل الأكل، وتحدث نتيجة الانفعالات الوجدانية التي ترفع معدل هذه الإفرازات في الجسم بطريقة مرضية ومفرطة. وبالنسبة لالكسندر فان هذه الإفرازات تكون تحت مراقبة أنماط الشّخصية.

       انطلاقا من هذه المسلمة، قام الكسندر وزملاءه بتقديم بروفايلات غير المرنة للشخصية، فنجد الشخص المصاب بالقرحة المعدية مثلا كثير الطموح، مستقل، يبحث باستمرار إلى الترقية الاجتماعية، نشيط. ويحاول بهذه الخصائص البحث عن تعويض مشاعر النقص والدونية التي تعود إلى مراحل عمرية مبكرة جداً. وقس على ذلك الأمراض السيكوسوماتية الأخرى [...].

      أما مدرسة باريس بيار مارتي (P. Marty, 1961) فقد قدموا مصطلح التفكير الإجرائي أو العملي (Opératoire)، وهو نمط من التفكير يعبر عن أشخاص متكيفين مع المجتمع بطريقة جيدة ولكنهم يحاولون التحكم في كل ما يجري من حولهم بحيث لا يسمحون بأي تعبير انفعالي أن يصدر عنهم، فيبدون هادئين. إلا أن هذا الهدوء هو احتباس انفعالي (un blocage émotionnel) لمنع ظهور الرغبات والميولات. فالحاجة إلى التبعية، والعدوانية الشديدة المقموعة بداخلهم ستعرضهم إلى الخطر إذا ما فتحوا لأنفسهم المجال للتعبير عن الرغبات الجنسية والعدوانية. فالحياة العقلية والثقافية والهوامية والأحلام لذلك الصنف من الناس تنعكس على سلوكهم الصلب، الملتزم، البراغماتي والمادي. ويفترض هذا التصور النظري أن الحياة مليئة بالصراعات النفسية بين الرغبات والواقع. وعلى العموم فان الجهاز النفسي يعمل على تسيير هذه الصراعات وحلها متجنبا الاحباطات، وهذا يتطلب عملاً يقوم به الجهاز النفسي (la Mentalisation) الذي يمر أحيانا بفترة اكتئاب. وفي حالة الأمراض السيكوسوماتية، هذا العمل يستحيل أو يصعب كثيراً، أي العقلنة وإرصان الصراعات يكون غير ممكناً. وحسب بيار مارتي، فان المرضى السيكوسوماتيون ليست لهم القدرة على إنتاج الهوامات وأحلام اليقظة، وهم غير قادرين على إزاحة أو إسقاط مشاكلهم على عالم الخيالات والأحلام. ولذلك فان حياتهم العلائقية محدودة وفقيرة من المشاعر وتبقى النمطية والروتينية في الحياة وممارسة الطقوس هو ملجأهم السلوكي الوحيد.

      إن هذه الملاحظات على بعض الحالات في بعض الوضعيات ومع ظروف معينة يمكن أن تكون سببية للمرض، ولكن المشكلة تبقى في عدم إمكانية التعميم، فبعض المرضى هم بالفعل من ذوي التفكير الإجرائي، ولكن مرضى آخرين ليسوا من هذا الصنف، كما أن آخرين من ذوي التفكير الإجرائي لم يصابوا بأي مرض  (Dischamp, j., et  Chneiweiss, L., 1999).   

خلاصة:

      هذه النماذج أحادية التوجه في تفسير الصِّحة والمرض، ولا تأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل مع بعضها، فالنموذج البيوطبي لا يرى في الظواهر الاجتماعية والنفسية جزءً مهماً من الصِّحة أو المرض، في حين انتقلت التفسيرات السيكوسوماتية من النقيض إلى النقيض، من الأسباب العضوية محضة، إلى الأسباب النفسية محضة. أما الطرق الوبائية فمازالت تستعمل لدراسة انتشار بعض الأمراض لحد الآن، وباتت مهمة مراكز الايبيديميولوجة الحرص والسهر على الكشف عن الأمراض المعدية والمتنقِّلة قبل أن تقع الكارثة، مع ذلك لا يمكن تعميمها على جميع الأمراض وتميل لأن تكون منهجاً علميا أكثر من كونها نموذجاً لتفسير الصِّحة والمرض، كما أن هذه النماذج تتجه نحو تفسير الصِّحة من خلال المرض، أي لها توجه سلبي نحو تفسير الصِّحة يبحث فقط في عوامل المرض.

2. النماذج الحديثة في تفسير الصحة

تمهيد:

       كان علماء الطب القدامى والمراجع الأساسية في الصِّحة انطلاقا من دراسات ابن سينا في القرن العاشر (980-1037) وصولا إلى باستور في القرن التاسع عشر (Pasteur 1870-1880) يفسرون جميع الأمراض على أنها خلل في الوظائف العضوية والحيوية ولذلك أطلق عليهم اسم العضويين (Organicistes)، وكانوا يعتقدون أن الصِّحة هي مجرد الخلو من المرض، والمرض ينتج عن الاستجابة الخلوية المنحرفة والتي لا تؤدي دورها بطريقة عادية. ومع التقدم السريع للفكر والعلم التي شهده القرن الماضي، تساءل بعض العلماء ما الذي يدفع الخلية للاستجابة بطرق منحرفة؟ هذه التساؤلات أثمرت إلى تقديم عدّة تفسيرات للصحة، وتنظر إليها من جوانب متعددة (بيوطبية، بيئية وبائية، نفسية، سوسيواقتصادية...). وحتى وان لم تفلح معظمها في تقديم تفسير علمي دقيق وأكيد، فإنها قدمت إسهامات كبيرة بصوابها وأخطائها، إلى أن ظهرت نماذج أكثر حداثة نقدمها في هذا القسم من الدرس.

1- الطب السلوكي (La Médecine Comportementale):

       لقد ظهر الطب السلوكي في سنوات السبعينيات، حيث تم تأسيس قسم الطب السلوكي وتكوين جمعية الطب السلوكي سنة 1973 وتم إعداد مجلة الطب السلوكي سنة 1978. انها حركة حديثة تعتمد على مبادئ عملية عيادية ونظرية والذي طور أكثر العلاجات السلوكية وذلك بإدخال طرق حديثة لعلاج العصاب والذهان كما أن تطوير البحث في هذا المجال أدى إلى تطبيق اكتشافات ونتائج علم النفس التجريبي في مجال الصِّحة والمرض. ويعرف بومرلو وبرادي (Pomerleau et Brady, 1979) في كتابهما الطب السلوكي على أنه التطبيق العيادي للتقنيات المتفرعة من التحليل التجريبي للسلوك (العلاج أو تغيير السلوك) من أجل التقييم، التسيير، الوقاية وعلاج الأمراض الجسمية والاضطرابات الفزيولوجية. وهو نشاط البحث المساهم في التحليل الوظيفي للسلوكات المصاحبة للمشاكل الطبية ومشاكل الصِّحة. ويهتم هذا التناول بثلاثة مجالات علمية في دراسة الظواهر المتعلقة بالصِّحة والمرض: الدراسات التجريبية لسلوكات الصِّحة والمرض، الاهتمام بالسياقات السيكوفيزيولوجية لهذه السلوكات، وأخيرا الاهتمام بسلوك المعالجين تجاه مرضاهم وكذا الاهتمام بجهودهم تجاه برامج الوقاية والعلاج. وعلى هذا يجب أن ننظر إلى الطب السلوكي من وجهة نظر واسعة ذلك لأن بعض الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب تؤدي إلى الضغط وفي الأخير تكون كمصدر للإمراض العضوية (دليلة زناد، 2013).

كما يهتم هذا النموذج بالجانب الايجابي للارتقاء بالصِّحة، وعلى أساس تفسيراته للصحة يقدم نموذج الطب السلوكي أساليب سلوكية صحية، وأخرى وقائية وعلاجية في آن واحد. فالاسترخاء مثلاً أحد الاستخدامات في الطب والعلاج السلوكي، ويستعمل بأساليب متنوعة، ويجمع الممارسين في المجالات الصِّحية والرياضية على فائدة وأهمية الاسترخاء في الارتقاء بالصِّحة، ويمكن تلخيص فوائد الاسترخاء فيما يلي:

الجدول يبين استخدامات أساليب الاسترخاء في الطب السلوكي.

الجوانب

الفوائد

من الناحية الفيزيولوجية

عمق وبطء التنفس، تجديد واستخدام جيد للأوكسجين، خفض معدل ضربات القلب، خفض حامض اللاكتيك في الدم، تعديل الإفرازات الهرمونية في الدم، الدخول في حالة من التوازن البيولوجي.

من الناحية الجسمية

زيادة قدرة احتمال الأجهزة الحيوية ورفع مستوى دفاعات المناعة، تقليل نسبة الإصابة بأمراض القلب والاضطرابات العضلية والعظام (TMS)، تأخير ظهور التعب، خفض تأثير الأدوية على الجسم.

 

من الناحية النفسية

الشعور بالهدوء والأمان، تطوير الصِّحة العقلية والذاكرة، عدم التأثر بالضغط العصبي، زيادة التحكم في الألم، خفض التوتر والقلق، التحكم في الضواغط والقدرة على تسييرها وإدراك أفضل للقدرات.

             قدم هذا النموذج أيضا إسهامات كبيرة في ظهور النموذج البيوطبي النفسي الاجتماعي لاحقاً بل وأصبح جزء منه.

2- النموذج البيوطبي النفسي الاجتماعي (BPS):

        منذ ظهور أول نظريات في هذا النموذج (Le Modèle Biopsychosocial) لأنجل (Angel, 1980) إلى التطور الكبير الذي شهده هذا النموذج من خلال نشأة علم النفس العصبي المناعي (La psycho-neuro-endocrino-immunologie)، هناك العديد من الاقتراحات النظرية التي حاولت تقديم تفسيرات علمية للصحة والمرض، وكلها تصب حول الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الفرد وسوابقه الجسمية وبعض الخصائص الشّخصية. تدخل هذه العوامل في تفاعل مع مجموعة من الاستجابات الموقفية التي يمكنها أن تؤثر على مختلف الأجهزة الفزيولوجية للفرد، فتنتج إخلالاً بالتوازن الانفعالي والفزيولوجي للفرد. بالنسبة لهذا النموذج فان بعض الخصائص الشّخصية (كالعدوانية، العجز والاكتئاب، والمشاعر السلبية) إذا تزامنت مع مواقف سلبية مستمرة في الزمن فإنها سوف تقوم بتنشيط لمحور الكورتيكوتروب (L’axe corticotrope)، فيزيد من مستوى إفراز هرمونات الضغط (Catécholamines, Cortisol) في الجسم محدثاً بدوره أثار رجعية على تحفيز منحدر جهاز الغدد الصماء ومختلف الوظائف العصبية-الغددية-المناعية التي تسبب هي الأخرى ردود أفعال جسمية كالالتهابات والمشكلات الحشوية-المزاجية (altérations endothéliales) كالسرعة الاستثارة والاكتئاب، وهذه التفاعلات من شانها أن تعجل الإصابة بالأورام السرطانية (عند النمط C) أو تحد من مقاومة التعفنات والالتهابات (في حضور المشاعر السلبية).

      العديد من العوامل الاجتماعية (أحداث وظروف الحياة) تتفاعل مع العوامل النفسية (الضغط الحاد، غياب الدعم الاجتماعي، الاكتئاب، العجز...) فينتج عنها فرط في النشاط الغددي والإفرازات الهرمونية وإنهاك جهاز المناعة، هذا ما يجعل الظهور أو التطور السريع لبعض الأمراض (بأنواعها) محتملاً. وقد تم تجريب هذا النموذج بطرق مختلفة على الإنسان والحيوان. (Argaman et al, 2005 ; Antoni et al, 2006 ; Lutgendrof et al, 2011 ; Thaker et al, 2008) وأسفرت النتائج على وجود مثلاً التهابات مع مشاعر سلبية تؤدي إلى مشكلات صحية مختلفة: الأمراض الوعائية القلبية، السكري نمط II، متلازمة الأيض والسمنة. وبالمقابل فان عوامل الإنقاذ (Les facteurs Salutogènes) كالتفاؤل، التحكم، المشاعر الايجابية... تحدث حالة من التحكم المدرك والاسترخاء مصحوبة بأقل قدر من الإفرازات الهرمونية المرتبطة بمحور الكورتيكوتروب (L’axe corticotrope)، مستوى متوازن من إفراز هرمونات الكاتيكولامين والكرتزول (Catécholamines et Cortisol)، عمل عضلات القلب في أحسن الظروف، ودفاعات مناعية فعالة (Schweitzer, M., et Boujut, E., 2014).

العوامل البيوطبية

  • فيروسات
  • بكتيريا
  • تورمات وتعفنات

العوامل النفسية

  • سلوكات، معتقدات
  • الضغط واستراتيجيات التعامل مع الضغط
  • الألم

العوامل الاجتماعية

  • الطبقة الاجتماعية
  • العمل
  • الثقافة

شكل يبين  النموذج البيوطبي النفسي الاجتماعي (Angel, 1977-1980).

 

     يفترض النموذج البيوطبي النفسي الاجتماعي أن ما يسبب المرض هو نظام معقد من العوامل المتداخلة فيما بينها والتي تتفاعل، وليس عامل واحد، بحيث لا يمكننا أن نتكلم عن السببية المرضية، ولا عن العلاقة الخطية بين المرض والسبب، بل يتعلق الأمر بمجموعة واسعة من المتغيرات التي تتجمع في ثلاثة مجموعات من العوامل البيولوجية (كالفيروسات) والنفسية (كالسلوكات والمعتقدات) والاجتماعية (كالعمل) (Ogden, J., 2004).

        على أساس هذا النموذج التكاملي والشمولي في تفسير الصِّحة والمرض، أضحى تكاثف الجهود بين مختلف العلوم الطبية، البيولوجية، الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية أمراً ضروريا للوقوف على الصِّحة والتنبؤ بها ومحاولة ضبطها، ومنه ظهرت اختصاصات علمية مهمة يتكفل كل اختصاص بجانب معين من جوانب الصِّحة. ففي علم النفس ظهر علم النفس الصِّحي لدراسة سيكولوجية الصِّحة (الصِّحة من الجانب النفسي).

3- أهمية جودة الحياة عند أخصائيي الصحة:

     ان استعمال مفهوم جودة الحياة لتقييم الحالة الصحية لم يكن وليد الصدفة، وهذا لأن الوجهة العلاجية تحولت من التكفل بالاضطراب الى التكفل بالحالة، ولا يتم هذا الا بفهم الحالة وأعراضها ومختلف الجوانب المتأثرة.

       ان جودة الحياة التي يعيشها المفحوص تعتبر مؤشراً لمدى تحسن وتطور الحالة، كما نقيس بها مدى استجابة الحالة للبرنامج العلاجي وتقدمها. هذا لأن الصحة على العموم ترتبط مباشرة بنوعية الحياة وتتأثر بقوة بأحكامنا حول صحتنا الجسمية والنفسية (Revicki, D. & all, 2022) فقد أكد العديد من الباحثين  (e.g., Brief, Butcher, George et Link, 1993 ; Okun et George, 1984) على الارتباط القوي لجودة الحياة بالصحة العامة للفرد، اذ تساهم جودة الحياة في طول عمر المرضى، بحيث أن عدم الرضا عن الحياة يمكن أن يكون مؤشراً ينبئ بالوفاة لدى المرضى (Amy Love Collins & al, 2007)، وتعتبر العلوم الطبية والمختصين في المجال الصحي حالياً جودة الحياة ك مؤشر على الحالة الصحية للفرد  (M. Schweitzer et E. Boujut, 2014)  وهذا لأن دراسات عديدة تبين أن الرضا عن الحياة مرتبط مع غياب أو حضور المرض والأعراض الاعاشية (J Dischamps et L Cheneiweiss, 1999) وترتبط الأعراض مع انخفاض في الرضا عن الحياة، وتختلف استجابات المرضى والأفراد المصابين إلى الرضا عن الحياة حسب طبيعة الأعراض (ظاهرة، واضحة ومشوِّهة...)، شدتها (وجود ألم، اكتئاب، قلق...)، مدتها (مزمنة، حادة وعابرة، دورية تظهر وتختفي على فترات متقطعة...) (Matthieu Bureau, 2001).

       ان الاضطراب في حد ذاته قد يبعث إلى درجة كبيرة بالتوتر والقلق والاكتئاب والشعور بعدم الأمن والتهديد (e.g., Mehnert, Krauss, Nadler et Boyed, 1990) وتزيد حدة هذه الاضطرابات إذا تزامنت وتصاحبت مع اضطرابات اخرى (Tarquinio et al, 2011) وينقص الشعور بالأمن وترتفع بالمقابل العصابية عند المعوقين جسمياً وكذلك المصابين بمختلف الاصابات عضوية كانت أو وظيفية التي من شأنها أن تحد من وظائف الفرد المصاب، ويكون الشعور بالتهديد والنقص عن المرضى والمصابين بالاضطرابات أكثر من الأصحاء (Sarkar&Ganguli, 1982) كما ترتبط الشكاوي الجسمية والمشكلات الاجتماعية الناتجة عن عدم القدرة على القيام بالنشاطات اليومية الاعتيادية لأسباب صحية ارتباطاً سالبا جودة الحياة. وبالطبع هناك العديد من الأدلة العلمية التي أظهرت مساهمة المشاعر الايجابية والسعادة والرفاهية الذاتية في الصحة (e.g., Brief, Butcher, George et Link, 1993 ; Okun et George, 1984)، إذ أثبتت التدخلات العيادية القائمة على رفع مستوى الرفاهية الذاتية وفعالية الذات لتحسين جودة الحياة المطبقة على المصابين بداء السكري أن حياتهم تحسنت واستطاعوا في الأخير ضبط مضاعفات المرض والسيطرة على أعراضه والتعايش معه، كما تبين أن المشاعر الايجابية والرفاهية الذاتية المكتسبة من خلال نشاطات وخبرات سارة خلقت حالة من الصحة الايجابية (Weinberg, 1988)، بمعنى أن المصابين أنهم لازالوا يعانون من مرض مزمن (السكري) إلا أنهم استطاعوا أن يسيطرو على الأعراض التي تهددهم وتمكنوا من التعايش مع مرضهم وأن يتحكموا في أجزاء من صحتهم وحياتهم ويستمتعون بما تبقى لديهم من قدرات جسمية عوض التركيز على النقائص وما تم خسارته (C. Tarquinio et al, 2014). كما تبين من دراسات على عينات مصابين بارتفاع ضغط الدم بأنهم قادرون على استعادة وظائفهم الجسمية المفقودة جرَّاء جلطة دماغية (AVC) بسرعة إذا كانوا متفائلين ومعتقدين في إمكانياتهم على استرجاع تلك الوظائف ويعيشون حالة من التقبل والتمسك بالحياة (C. Tarquinio et all, 2011). هذه الدراسات وان كانت على عينات مرضية، فإنها تبين ذلك الارتباط الكبير والمتداخل الذي يجمع بين كل من الصحة الجسمية وذلك الشعور بالرفاهية الذاتية، مما جعل منظمة الصحة العلمية تستدل بها للتعبير عن الحالة الوظيفية للفرد وبالتالي يمكن تقدير حالة الصحة العامة للفرد من خلال الرفاهية الذاتية مثلما يدركها الفرد ويشعر بها (بورجي شاكر أ، 2016).

خلاصة:

      تعتبر الصحة جانب مهم من جوانب حياة الفرد والمجتمع، ولعل اهتمام سياسات الدول المتقدمة التي تضع الصحة في قائمة أولوياتها تعكس هذه الأهمية، وبلوغ الإنسان أعلى مستوى من الصحة وتعزيزها هو هدف ليس فردي فحسب بل هدفاً اجتماعياً ومطلباً أساسياً لتحقيق التنمية وتحسين نوعية الحياة. فالصحة هي تلك الحالة من التوازن الدائم نسبيا بين وظائف الجسم الناتج عن تكيف الجسم واتصاله مع العوامل البيئية التي تحيط بالجسم، ولا تقتصر أيضا على مجرد انعدام المرض أو العجز، بل هي كما تعرفها منظمة الصحة العالمية (OMS) حالة من الرفاهية النفسية والجسمية والاجتماعية. ومن هنا يتضح أن كل من الرفاهية النفسية والجسمية والاجتماعية على ارتباط.