معنى الديالكتيك عند هيغل
إن ما تخفيه الفاهمة عند كانط وتجعله متعارضا، يحاول تركيبه وتأليفه العقل ويقدمه في شكله العيني الملموس كما هو، العقل يزيل المتضادات، التناقضات، في تكريب أعلى يقوم به وكل تلك الاختلافات يرجعها إلى حقيقتها الأصلية أو إن شئنا إلى هويتها، كما أن هذه الهوية لها مضمون يكشف عن التنوعات والاختلافات الجوانية في الشيء وفي الفكر أيضا هذا هو معنى الديالكتيك.
إن موضوع الفكر والمعرفة يتحدد عند هيغل عن طريق الديالكتيك أي يقبله وكأنه فكر متناقض ثم يظهره من حيث أنه له هوية عينية لأوجه متعارضة يوضح لنا هيغل هذا الديالكتيك كالآتي:
الفكرة (القضية)
نفيها الخاص بها (نقيض القضية)
(هنا يتولد ما يعرف بالتأليف أو التركيب) (سرو ر.، 1993، صفحة 14)
إن الفكر عند هيغل عموما هو فكر منطقي بداية يمر باللحظة المجردة ثم اللحظة الديالكتيكية، ثم اللحظة النظرية هنا يتشكل عقل موجب ومن ثم يستطيع الوصول إلى التأليف والتركيب.
لقد كان كانط قبل هيغل يميز بين علم الفينومين والنومين، الفينومين هو عالم الظواهر والمحسوسات، أما عالم النومين هو عالم الماهيات أو الماهيات التي تحدد الشيء في حقيقته، إن العقل بحسب كانط عندما يكون ديالكتيكي، فإنه كلما حاول معرفة عالم النومين أو الدخول في الأشياء التي هي فيه فإنه حتما سوف يقع في المتناقضات، والمغالطات الكبيرة، مثال ذلك العقل عندما يبحث مثلا في الميتافيزيقا إنه يتعامل مع قضايا مجردة متعالية ليس لها أي تحقق على أرض الواقع، مثل مسألة الله، خلق الكون، الروح وغيرها من المسائل الأخرى، دائما العقل هنا كلما حاول الخروج بنتائج حسب كانط يجد عراقيل وصعوبات تعترضه ومن ثم عليه ان يفكر ويبحث في عالم الظواهر التي هي موجودة في الزمان والمكان فقط، في مقابل ذلك نجد هيغل يقدم تفسيرا يخالف التفسير الكانطي خاصة فيما يتعلق بعالم النومين، لأن العقل الهيغلي ليس هو العقل الذي تكلم عنه كانط من أنه مجرد وسيلة وأداة مساعدة في عملية المعرفة وفقط، إن العقل حسب هيغل هو الذي يحدد لنا حقائق الأشياء المتعالية، أي شيء يحدث في الوجود وهو موجود بالفعل لا يمكن أن يتجلى ويتضح خارج إطار العقل، أو الفكر الذي يقدمه، فإذن كل شيء يتحرك حسب هيغل داخل الفكر أو المنطق كما يطلق عليه فيما بعد، أما التناقض فهو موجود داخل الأشياء في حد ذاتها كل شيء فيه اختلاف وتناقض، اختلاف الشيء وتناقضه يكشف عن طريق العقل بل هو الذي يبين ماهية هذه الأشياء، هذا إن دل على شيء إنما يدل على ان كل ما هو واقعي محسوس فهو عقلي يتحرك ويتجلى أما الروح، لا وجود للوجود دون الفكر، الفكر هو الوجود، ومن هنا تكون الفلسفة أو التفكير هو ليس تفكير حول الظواهر المحسوسة أو له حدود كما يثبت ذلك كانط بل العكس هو المنطق والمنطق هو علم الفكرة الشامة في ذاتها ولذاتها، المنطق قديما كان عند أرسطو هو آلة تعصم الذهن من الوقوع في الزلل والتناقض، عند هيغل الأمر يختلف المنطق هو نظام للعقل وبمثابة نسق له وهو منظومته الأساسية (زيناتي، الفلسفة في مسارها، 2002، صفحة 218).