ديداكتيك الفلسفة
لا شك أن الحديث عن تعليمية الفلسفة من حيث هي مادة تعلمية أو بالأحرى ما إذا الفلسفة تصلح موضوعاً للتعلّم؟ أو بتعبير آخر ما إذا كان يوجد في الفلسفة شيء ينشأ عن امتلاكه نوع من المتعة عندما يرتاح الفكر؟ من هنا تبدوا مهمة تعليم الفلسفة مهمة صعبة، بل تبدوا أحيانا كإرادة غريبة في هذا السياق، إذ حتى لو كان ثمّة شيء ما يتعلمه المرء فإن ذلك الشيء لا يمكن القبض عليه أو إدراكه إلاّ بشرط التفلسف ومعنى ذلك أن يكون المرء فيلسوفا بذاته، ولن نستطيع تعليم الفلسفة إلاّ للفلاسفة.
من هذا الباب ينبغي إعادة النظر في آلية تعليم الفلسفة من وجهة نظر فلسفية محددة، وهذا ما يجعلنا نتساءل: ما لذي يجعل تعليم الفلسفة اليوم ممكناً؟ أي كيف يمكن أن نتعلّم الفلسفة؟ ومتى
يكون تعليم ما تعليما فلسفياً؟
يرجع الاهتمام بتعليمية الفلسفة الى القرن الثامن عشر مع الفيلسوف الألماني "ايمانويل كانط" الذي كان سببا في تحوّل تعليم الفلسفة من مسألة تناقش بيداغوجيا الى مسألة تناقش فلسفيا، حيث سيصبح وجود الفلسفة مرتبطا بتدريسها مما سيخلق من جهة توترا بين تعليم الفلسفة والتفكير فلسفيا، ومن جهة أخرى فصل الفلسفة عن العلم والمعرفة. (عزيز لزرق ، الفلسفة ورهانات تدريسها التبليغ التفلسف والكتابة، مطبعة المغاربية، 1997، ص03
الأمر الذي سيؤدي الى وضع التراث الفلسفي بكامله موضع سؤال: هل هذا التراث من نصوص ومذاهب فلسفية يُقدّم مادة علمية كمعرفة تصلح للتدريس، أم مجرّد مادة مصاحبة للتعلّم يتمرن عليها المبتدئ الى أن يصبح قادرا على التفلسف بذاته؟
وفي الوطن العربي عموما ثمّة اهتمام بتطوير هذه المادة، إذ نظمت الجامعة الأردنية المؤتمر الفلسفي العربي الأول، والذي نشرت بحوثه في كتاب بعنوان" الفلسفة في الوطن العربي المعاصر"، كما تمّ عقد اجتماع لخبراء المادة في مراكش بالمملكة المغربية في جويلية من عام 1987 حول تدريس الفلسفة في الوطن العربي، حيث نشرت أشغال الاجتماع بدار المغرب الإسلامي، ببيروت 1990، حيث هناك اهتمامات أكاديمية كثيرة بشأن تدريس الفلسفة في الوطن العربي خاصة في سوريا والمغرب.
وفي الجزائر أطر الأستاذ الدكتور "ميشال توزي" الفرنسي ملتقى حول "تعليمية الفلسفة" سنة 1998م في الجامعة الصيفية، كما عقد ملتقى حول الفلسفة والتعليمية يوم 9و10 أفريل 2001 من طرف قسم الفلسفة بوهران كما اهتمت المجموعة المتخصصة في مادة الفلسفة بموضوع ديداكتيك الفلسفة من خلال بعض ملتقياتها ولاهتمام مفتّشي المادة آنذاك حيث أجريت ملتقيات وحوارات حول الموضوع، قامت بتحضيرها الجامعة الصيفية بكل من قسنطينة وعنابة حول تدريس مادة الفلسفة عن طريق المقاربة بالكفاءات .
وفي حديثنا عن تعليمية الفلسفة في الجزائر على وجه الخصوص فقد مرت بمرحلتين مهمتين: مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة أين كانت المدرسة الجزائرية تعتمد اللغة الفرنسية في جميع المواد الرسمية، ثمّ تليها المرحلة الثانية أين شرعت الدولة الجزائرية بالتعريب.
مع العلم أن الاستعمار الفرنسي ترك أثرا ملموسا في الشخصية الوطنية من خلال ثقافته التي تعمقت جذورها في تكوين الفرد الجزائري، أين أضحى من الصعب محو تلك الأثار، وهي ماتزال بادية حتى في الأجيال اللاحقة التي لم تشهدها الحقبة الاستعمارية. (الطاهر زهروني، التعليم في الجزائر قبل وبعد الاستعمار، موقم للنشر، الجزائر، 1993، ص10 حيث وفي سبعينات القرن الماضي، أي في حدود سنتي(1972-1973) بدأ تدريس الفلسفة بشكل جديد، بعد أن تخرجت الدفعة الأولى من الجامعة، وشرع الأساتذة في تقديم دروسهم بشكل عام في الثانويات مستعينين بمطبوعة تحدد بشكل عام أهم المواضيع التي يدرسها منها الثقافة الشخصية، الأخلاق وفلسفة العلوم مع توجيهات تربوية لتدريس الفلسفة، ثمّ صدور كتاب( الوجيز) لجمال الدين بوقلي حسن( رحمه الله) الذي يعد في حقيقة الأمر نسخة مترجمة للكتاب المدرسي المعتمد في فرنسا. (أحمد الحسني، الدراسات في الفلسفة المعاصرة، دار الحكمة، 2000، ص104
وفي عام 1993م تمّ إعادة النظر في التعليم الثانوي، وسن برنامج جديد أين تمّ إدخال التعليمية في الجزائر وتمّ تقليص محاور الوجيز وإدراج الفلسفة الإسلامية في برنامج السنة الثانية ثانوي، أما على مستوى المنهج فكان الخيار منصبا على التحوّل من التلقين وحشو المعارف الى الحوار والنقاش وتبادل الآراء. (موسى فتاحين، مشكلة تدريس الفلسفة في الجزائر بين التأريخ للأفكار الفلسفية وممارسة الفعل الفلسفي، مجلة الحكمة للدراسات التربوية والنفسية، المجلد3، العدد1، 2015، ص.60) يتحقق بداخلها ما هو كوني في الفلسفة، وإذا كان هذا التدريب يفترض هو بدوره خصوصية وساطة العرض الإلقائي، فينبغي بالأول التفكير فيه كفن لا كمنهج، فهذا الأخير يتميز عن الأول بالقابلية لتصور نظام للوسائل استنادا إلى مبادئ وعرضه بكيفية سابقة على التنفيذ بحيث تكون سلسلة الإجراءات التي ينبغي القيام بها لبلوغ الهدف محددة مسبقا. والحال كما يرى مؤلفو تعلم التفلسف عن حق " أن تعليم الفلسفة، على عكس المواد الأخرى لا يفرض بتاتا مسارا متدرجا خطيا ملازما "له، (...) فالنظام الوحيد الملازم له يترتب احتمالا عن الفلسفة الشخصية للمدرس (Op.cit.p,131.)
لكن تبقى الفلسفة محافظة على كيانها وطبيعتها وخصوصيتها، مما يجعل تدريسها يتطلب أسلوبا حواريا ومنهجا سقراطيا، يقول "جيل دولوز " في هذا الصدد:" إن الفلسفة هي فن تشكيل المفاهيم واختراعها أو صنعها وأن الفليلسوف صديق للمفهوم، بل إن الفلسفة ليست مجرد فن لتشكيل وصناعة المفاهيم، لأن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالا أو ما نعثر عليه، أو ننتجه، إن الفلسفة بصفة واضحة ومضبوطة، هي مادة معرفية تلج على إبداع المفاهيم"، فهي إذن لإنتاج مفاهيمي جديدة بشكل مستمر ودائم، وأن موضوعها هو الآخر لا يخرج عن دائرة إبداع المفاهيم. ونفس الفكرة ذهب إليها الفيلسوف الألماني "نيتشه" عندما قال:" يتوجب على الفلاسفة أن لا يعولوا على تقبل المفاهيم التي تعطى لهم لغسلها، وتنقيتها، وإعادة استعمالها، ولكن يجب أن يشرعوا في صناعتها وإبداعها، ووصفها ولإقناع الناس باللجوء إليها، ويجب على الفيلسوف أن يحذر من المفاهيم حذرا كبيرا، خصوصا إذا كان غير صانع لها بنفسه