الإرهاصات الأولية لمظاهر الحركة الفكرية في المغرب الأوسط

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Cours: الحركة الفكرية
Livre: الإرهاصات الأولية لمظاهر الحركة الفكرية في المغرب الأوسط
Imprimé par: Visiteur anonyme
Date: Wednesday 3 July 2024, 15:23

1. دور الفاتحين في التعريب والأسلمة:

       نفتقر كثيرا إلى المادة الأولية المتعلقة بدارسة تاريخ الحياة الثقافية ببلاد المغرب الأوسط خلال القرن الأول للهجرة.

        إذا أردنا أن نتطرق إلى بواكير النشاط العلمي والتربوي ببلاد المغرب فضروري الرجوع إلى مرحلة الفتوح الاسلامية، والتنويه بجهود الفاتحين من المشرفين على الخلافة الاسلامية والولاة الذين أطروا عملية الفتح وأشرفوا على عملياتها وجهود بعض الصحابة والتابعين الملحوظ في عملية التأسيس لمدرسة تربوية وتعليمية اسلامية بجغرافية المغرب، ومن الأمثلة على ذلك:

- بعثة عقبة بن نافع الفهري في ولايته الثانية (62-64ه/670-674م) والتي كلف من خلالها جماعة لتعليم الناس القرآن الكريم والسنة النبوية بالمغرب الاقصى.

- بعثة حسان بن النعمان (73-81ه/692-700م) تتكون من ثلاثة عشر معلما أخذوا على عاتقهم مسؤولية تعليم أبناء الكاهنة (يفرن – يزديان) أصول الدين وتحفيظهم القرآن. كما أسس هذا الفاتح جامع الزيتونة بتونس، وعرب الدواوين مثل ديوان الجند وديوان الخراج والبريد. ويذكر أنه في عهده دخل الصحابي سفيان بن وهب إلى القيروان في حدود سنة 78ه/697م، وأخذ يعلم في كتابها كما أشار إليه أبو بكر المالكي.

        بعد نجاح المسلمين في تأمين افريقية وتنظيفها من دسائس ومكائد الروم وحلفائهم من البربر، انتهج والي المغرب موسى بن نصير سياسة الاسترضاء مع القبائل الراغبة في الصلح، وأوصى بمعاملتها معاملة كريمة وأن يترك تدبير أمورها بيد أناس من أهلها. ثم عمد موسى بن نصير إلى تثبيت سلطان الادارة الاسلامية في بلاد المغرب والقضاء على كل مظاهر الفوضى الباقية من وقت الرومان، فقرب البربر إليه وحببهم في الحكومة الجديدة وأشركهم في الأعمال وفي إدارة البلاد مع العرب). ومن جهوده اللامعة في مجال الحركة الفكرية: أنه أرسل بعثة تتكون من 17 قارئا وعالما يعلمون الناس القرآن والسنة ببلاد المغربين الأوسط والأقصى.

أسهم التابعون في هذه النقلة بتعليم العربية وأسس الدين وتعاليمه للمغاربة، حيث أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99-101ه/717-720م) بعثة أو نفرا من العلماء والفقهاء الفضلاء لنشر الاسلام في المغرب وتثقيف المغاربة وتفقيههم في دينهم وتعريب المنطقة حيث يقال أنّها تتكون من 10 من الفقهاء والتابعين مهمتهم نشر الاسلام وتثقيف المغاربة وبناء المساجد وتعليم القرآن وبناء المؤسسات التعليمية وتعليمهم الفقه والسنن ونحوها، ومنهم اسماعيل بن عبيد الأنصاري المعروف بتاجر الله الذي سكن القيروان ويقال أنه أول من بنى بها جامع الزيتونة سنة 91ه، حيث علّم أهلها فقهه وزهده حتى خرج في غزاة رافع بن عطاء الى صقلية فمات غرقا سنة 107ه، ومنهم كذلك اسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي الذي ولاه عمر بن عبد العزيز على افريقية، كان فقيها صالحا زاهدا، مما يدل على أن هناك فراغا روحيا وفقرا ثقافيا إلى المعرفة الاسلامية وثقافتها، وذلك مع نهاية القرن الأول (7م)، كعبد الله بن يزيد المعافري، الذي يقول فيه المالكي "بث فيها علما كثيرا". واسماعيل بن عبيد الله الأنصاري كان خير وال وخير أمير علم البربر الحلال والحرام كما يقال وأسلم على يديه الكثير من البربر.

وكان العلماء والفقهاء يتجولون في بلاد المغارب ويقومون برحلات داخلية ضمن مجالها، يتنقلون فيها من مدينة لأخرى، يعلمون أهلها ويبثون فيها الزهد ويستميلونهم إلى الالتزام بالشرع، وكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون حلقات علم ودرس ومجالس للذكر والسماع يقصدونها الناس للعلم والتفقه.

وقد اسهمت هذه البعثات في تحريك العملية التعليمية وتنشيط الحركة الفكرية، حيث أنتجت طلبة علم ومن ثم نبغ هؤلاء الطلبة في تخصصات عديدة حتى أصبحوا هم أيضا علماء، قادوا الحراك الفكري والثقافي والديني ببلاد المغارب في العصر الوسيط بشكل عام والمغرب الاوسط بشكل مخصوص، من خلال ما أسسوه من مدراس وكتاتيب وأربطة.

كما لعبت الرحلة العلمية دورها في تنشيط الحركة العلمية وتفعيلها، وبلورة تخصصاتها وتوسيع مجالاتها من خلال الاستزادة من خبرات المشارقة والمغاربة في المجال العلمي والثقافي والديني والاطلاع على منتجات المناطق الاسلامية الأخرى في شتى العلوم والتخصصات. وساهم ذلك في تفتيق المواهب وتعدد التخصصات ونمو وتيرة الانتاج العلمي والتأليفي، وتوسيع أعداد المدارس والمؤسسات العلمية والمعرفية، تهم بتدريس الطلبة في شتى التخصصات ومختلف العلوم.

أسهمت اللغة العربية -على اعتبار أن اللغة هي الوعاء الثقافي- بعد تعلمها وانتشارها في فتح قنوات للمغاربة للاطلاع على التراث الاسلامي، ونمو حركة التأليف ... وكان من وسائل نقل اللغة وتعليمها هي المساجد الموجودة بالمدن والحواضر ...

        ومن أبرز العلماء في القرون الأربعة الأولى بمغارب العصر الوسيط، موسى بن معاوية الصمادحي توفي سنة 226ه/854م، محمد بن سحنون القيرواني توفي سنة 255ه/869م.

2. العناية بالبناء والتعمير:

العمارة والبناء كبناء القيروان، من أجل إيجاد حاضرة اسلامية تلم شمل المسلمين، وتكون فضاء لنشر الثقافة الاسلامية يقول ابن خلدون ان العلم يكون في الحضر وكلما تقدمنا الى البدو نقص العلم     

        نشوء الدولة ساهم في نشوء ثقافة اسلامية حاولت احتواء كل التيارات بتنوعها العربي والعرفي والثقافي، حيث ساهم في نشر الثقافة الاسلامية وتكوين تيار ثقافي جديد مشبع بروح جديدة متأثرة بالأوائل الفاتحين القادمين من المشرق، حيث ساهم هؤلاء في اطار الأسلمة والتعريب في تطهير الموروث الثقافي السائد واستبداله بثقافة اسلامية تستنير بالدين الاسلامي...

        سياسة الولاة أي الدولة من خلال تعريب الدواوين وتحويلها من اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية وهي ساهمت بدورها بشكل كبير في عملية التعريب

بناء القيروان: ثمّ أنه ومع استقرار الفاتحين دخلت بلاد المغرب طورا جديدا تمثّل في مرحلة البناء والتمصير ،إذ كان على هؤلاء الفاتحين بالموازاة مع أعمال الفتوح التفكير الجدي في بناء الأمصار وتوسيعها بما يتماشى والتوافد الإثنوغرافي من بلاد المشرق إلى الأرض المغربية المفتوحة. ولقد تزامن هذا مع ذلك التراجع الذي عرفته المدن الرومانية في ظل تناقص عدد سكانها، وهو ما فتح الطريق لبداية عهد جديد من تاريخ التمدين بالمغرب الإسلامي تجسّد في نمط العمارة الإسلامية إلى جانب المدينة الرومانية القائمة آنذاك، والتي هجرها الروم، ولم تعمر الكثير منها، في الوقت الذي ظهرت بالقرب منها مدن إسلامية ،كانت مدينة القيروان أحد نماذجها. مع بناء مدينة القيروان أخذت هذه المدينة تتدرّج في التوسع، وامتداد الأطراف، كما حظيت باهتمام كبير مـن طرف ولاة الأمويين الذين زادوا في معالمها، وفي طليعتهم حسان بن النعمان الذي جدّد بناء مسجد القيروان بما هو أحسن سنة 84هـ /703م، لتتوالى حركة العمران بمدينة القيروان نموا، وتطورا، وتنوعا حسب حاجة المدينة والنمو الديموغرافي الذي تعرفه، والتوافد الإثنوغرافي الذي تستقطبه.

فبخصوص أمر الدفاع عن المدينة، وحمايتها من أي خطر قد يداهمها،لم يغفل ولاة أمورها عن اقامة الأسـوار والمحارس من مختلف جهاتها، إذ يذكر البكري أن للمدينة سبعة محارس أربعة خارجها وثلاثة داخلها، كما أن للمدينة سور من طوب، سعته عشرة أذرع، تتخلله أبواب، منها باب أبي الربيع، وباب تونس، وباب أصرم، وباب سلم. أما في فترة حياة البكري، فيشير هذا الأخير بأن لها أربعة عشر بابا، أشهرها باب النخل وباب الحديث. وتكون القيروان بناء على هذا النص على الرغم من كونها تقع في بسيط من الأرض إلا أنها أصبحت مدينة ذات تحصينات هامة ،من خلال السور الذي أحيطت به، والمحارس التي زوّدت بها ،والتي كانت تتماشى والتطور العمراني الذي كانت تشهده ،في ظل اهتمام القائمين على شؤونها، من فترة زمنية لأخرى ،حتى أضحت في عهـد الجغرافي البكري (ت487هـ /1094م) مدينة محصنة من الداخل والخارج ،كما عرفت اتساعا كبيرا، بحيث كان لها أربعة أبواب سنة أربع وأربعين ومائة للهجرة ،لتصبح في عهده أربعة عشر بابا. وإن كانت مدينة القيروان قد مثّلت منارة للعلم، ومركزا استراتيجيا عسكريا ،وسياسيا ،واقتصاديا ببلاد المغرب الإسلامي ،مذ كانت نقطة انطلاق للانتشار العربي الإسلامي حتى غدت مركزا للإشعاع الحضاري في عهد الـولاة ،والأغالبة ،فإن هذه الأهمية التي اكتستها المدينة والتطور الذي عرفته قد أخذ في التراجع بشكل تدريجي ،وذلك حينما دانت بلاد المغرب الأدنى لسلطان بني عبيد أو خلفاء دولة الفاطميين ،ذلك أن الخليفة الفاطمي الأول عبيد الله المهدي بعدما مكّن لدولته ،سعى لبناء عاصمة جديدة تؤوي الأسرة الشيعية الحاكمة ، وذلك حينما رأى ضرورة البحث عن موضع حصين يحميه من نفوس الرعية ،الذين كان معظمهم من أهل السنة المخالفين لمذهبه الشيعي.