التكييف

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Course: القانون الدولي الخاص - أ.مقراني
Book: التكييف
Printed by: Visiteur anonyme
Date: Monday, 26 January 2026, 10:03 PM

1. ظهور ونشأة نظرية التكييف

يعود الفضل في ظهور نظرية التكييف بدرجة أولى للفقيه الفرنسي بارتان و من بعده للفقيه الألماني كاهان 

واكتشف بارتان نظرية التكييف وهو بصدد دراسة أحكام القضاء الفرنسي القديم ، ولفت انتباهه قضيتين شهيرتين عرفتا بوصية الهولندي و قضية زواج المالطي.

 -قضية وصية الهولندي:

تتلخص وقائع هاته القضية في أن مواطن هولندي هاجر إلى فرنسا وقام بتحرير وصية عرفية لأحد أقاربه فرنسا على الرغم من أن القانون الهولندي يمنع تحرير الوصية العرفية ولو بالخارج،وهذا معناه بطلان الوصية وقفا للقانون الهولندي وبعد وفاة الهولندي واكتشاف ورثته للوصية طعنو في صحتها وطالبو بإبطالها وفقا للقانون الهولندي أمام القضاء الفرنسي 

فقام القاضي بتكييف القضية واعتبرها شكلية و الشكل يخضع لقانون المحلي قاعدة لوكيس، وبما أن القانون الفرنسي يبيح الوصايا العرفية حكم القاضي بصحة الوصية,

    هنا تفطن بارتان إلى وجود تنازع خفي بين القانون الهولندي و الفرنسي في تكييف الواقعة، فماذا لو كيف القاضي الفرنسي النزاع على أنه متعلق بالأهلية وعليه يعود الاختصاص للقانون الهولندي و بالتالي بطلان الوصية.

  -قضية زواج المالطي ( نصيب الزوج المحتاج)  

تتلخص وقائع هاته القضية في أن زوجين من مالطا هاجرا للجزائر وقت الاستعمار، و أقاما فيها بعدها توفي الزوج المالطي تاركا وراءه أموالا منقولة وعقارات ولم يترك أولاد، فرفعت الأرملة دعوى أمام قضاء البليدة مطالبة بنصيب الزوج المحتاج الموجود في القانون المالطي، لأن هذا الأخير لايعرف الميراث .

هنا يقول بارتان لو أن القاضي كيف القضية وفقا للقانون المالطي ستحصل على نصيبها أما لو كيفها وفقا للقانون الفرنسي فستحرم من نصيبها.

ومن هنا تطفن بارتان لنظرية التكييف، لكن ظهر إشكال جديد وهو وفقا لأي قانون يقوم القاضي بعملية التكييف؟؟

2. مفهوم التكييف

تعريف التكييف:

التكييف هو نطاق القانون الدولي الخاص وهو تحديد الوصف القانوني للواقعة محل النزاع المعروض على القاضي عن طريق تحليل عناضرها و جزئياتها حتى يتمكن من وضعها ضمن إطار إحدى الفئات التي خصها المشرع بقاعدة إسناد تمهيدا لتطبيق قاون معين عليها. 

 والجدير بالذكر أن التكييف ليس حكرا على القانون الدولي الخاص فقط بل هو وثيق الصلة مع فروع القانون الأخرى، ففي القانون الجنائي مثلا لابد من تكييف الفعل الذي يشكل الجريمة بإعطائه الوصف القانوني السليم كأن يمون سرقة أو اختلاس مثلا.

و التكييف هو عملية سابقة على الاسناد ، فقبل تحديد اقانون الواجب التطبيق الذي تشير به قاعدة الاسناد لابد من إعطاء الواقعة الوصف القانوني السليم.

فالخطأ في التكييف يؤدي إلى الخطأ  في الإسناد و الخطأ في الإسناد يؤدي إلى الخطأ في تعيين القانون الواجب التطبيق وهذا مايؤدي إلى حرمان شخص من خقوقه أو إعطاء شخص حق لا يستحقه.

3. القانون الواجب التطبيق على التكييف

للإجابة على التساؤل السابق أي وفقا لأي قانون يقوم القاضي بتكييف النزاع ظهرت نظريات تحول الإجابة نبينها كمايلي:

   1- إخضاع التكييف لقانون دولة القاضي: 

تنسب هاته النظرية للفقيه الفرنسي بارتان، ومفاد هاته النظرية أن القاضي عندما يكون بصدد نزاع يشتمل على العنصر الأجنبي يقوم بتكييفه وفقا لقاون دولته وهذا عملا بمبدأ السيادة.

  تعرضت هذه النظرية للانتقاد بسبب مبدأ المعاملة بالمثل المتعارف عليه بين الدول، و المصالح المتبادلة 

مما اضطر بارتان لوضع بعض الاستثناءات :

     -تكييف الأموال: سواء كان عقارا أو منقولا فإن التكييف يكون وفقا لقانون موقع المال.

    - الفعل الضار: يكون التكييف يخضع لقانون الدولة التي وقع فيها الفعل الضار.

    - الالتزامات التعاقدية: يخضع للقانون المحتار ، أي القانون الذي اختارته غرادة المتعاقدين.

   - العلاقة المطروحة أمام القاضي مجهولة في قانونه : يخضع التكييف للقانون الذي ينظم هاته العلاقة، كنظام المهر.

   - في حالة وجود معاهدة مبرمة بين دولة القاضي و دولة أجنبية : الرجوع لأحكام هاته المعاهدة.

     2- إخضاع التكييف لغير قانون دولة القاضي: 

       - إخضاع التكييف للقانون المقارن: وفقا للفقيه الألماني روبل فإن العلاقة التي تتضمن العنصر الأحنبي يتنازعها أكثر من قانون فهي علاقة دولية، لذلك من المجحف إسناد التكييف لقانون دولة القاضي بل لابد من تكييف العلاقة وفقا للقانون المقارن واستنتاج الفهوم القانوني لدولي لهذه المسألة، أي استخراج المفهوم المشترك .

         انتقدت هذه النظرية لنها ليست عملية فالقاضي الوطني لايستطيع أن يعرف كل الأنظمة القانونية في العالم,

    - أخضاع التكييف للقانون الذي يحكم النزاع: وفقا للفقيه الفرنسي(DESPAGNET) فإن القانون الذي اشارت به قاعدة الإسناد هو نفسه الذي يحكم التكييف .

         انتقدت هذه النظرية و اعتبرت مصادرة على المطلوب لأن التكييف عملية سابقة على الاسناد .

    - اخضاع التكييف لعلم القانون: زمفاد هاته النظرية حسب الفقيه الايطالي كوادري، هو إعطاء التكييف مفهوم علمي موحد شانه شان المصطلحات العلمية في الطب و الرياضيات و الفيزياء. 

        انتقدت هاته النظرية بشدة لأنها من الناحية العلمية لايمكن توحيد التكييف في مختلف التشريعات فكل دولة تريد تطبيق قانونها.

       3- موقف المشرع الجزائري من التكييف: 

   جاء في المادة 09 من القانون المدني الجزائري أنه: "يكون القانون الجزائري هو المرجع في تكييف العلاقات المطلوب تحديد نوعها عند تنازع القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه".

 يفهم من هذا النص أن المشرع الجزائري أخضع التكييف لقانون القاضي في العلاقات القانونية المشتملة على عنصر أجنبي عندما يُطلب منه تحديد نوع هذه العلاقة في قضية تتنازع فيها عدة قوانين، فالقاضي الجزائري يجب أن يرجع إلى القوانين الجزائرية كالقانون المدني والتجاري وقانون الأحوال الشخصية...الخ، للتعرف على طبيعة العلاقة القانونية موضوع النزاع، وبالتالي إلى قاعدة الإسناد التي تعين له القانون الواجب التطبيق.

 كما أخذ المشرع باستثناءات بارتان السابق التطرق إليها في المواد 17 و 20 و 23مكرر من القانون المدني الجزائري.