مفهوم الحق وأنواعه

1. مفهوم الحق وأنواعه

1.1. مفهوم الحق

 مفهوم الحق وأنواعه

        نتناول ضمن هذه المحاضرة تعريف الحق،  وخصائصه وأنواعه.

أولا: تعريف الحق.

لم يتفق الفقهاء على تعريف الحق، حيث اختلف الفقهاء حول تعريفه، و يمكن أن نجمع هذه الآراء في أربع نظريات أساسية وهي:

النظرية الشخصية (نظرية الإرادة)  من أنصارها الفقيه الألماني سافيني (Von Savigny): فجوهر الحق بالنسبة لهذه النظرية هو القدرة الإرادية التي تثبت لصاحب الحق، أي إرادة الشخص، أي أن الحق وفق هذه النظرية هو سلطة إرادية مخولة للشخص.

 و لكن ما يعاب على هذه النظرية أنه قد يكتسب الحق دون أن توجد الإرادة لدى صاحبه كعديم الأهلية و الوارث.

كما يؤخذ على هذه النظرية قصرها للحق على من تتوافر لديهم الإرادة , بينما نجد واقعيا الحق ثبت أيضا لعديم الإرادة كالمجنون أو ناقصها.

النظرية الموضوعية (نظرية المصلحة)[1]: فجوهر الحق هي المصلحة التي يحميها القانون، سواء أكانت (مادية) أم (معنوية) بحيث تعرف الحق بهدفه و الغاية منه، و يعاب على هذه النظرية أنها تنظر في تعريف الحق إلى موضوعه و الغاية منه دون النظر في تعريفها للحق إلى شخص صاحب الحق، و لا ينبغي الخلط بين الحق و غايته (المصلحة)، كما أن عنصر الحماية يأتي بعد وجود الحق.

        كما يؤخذ على نظرية المصلحة بأن أنصارها يعرفون الحق انطلاقا من غايته متجاهلين جوهر الحق.    

النظرية المختلطة: و تأخذ بجوهر النظريتين السابق ذكرهما، إلا أنه كما سبق بيانه فالحق ليس هو الإرادة، لأن الحق قد يثبت للشخص دون تدخل من إرادته، و هو ليس المصلحة، لأن المصلحة ليست جوهرا للحق بل غايته.

النظرية الحديثة (نظرية دابان Dabin): جاءت النظرية المختلطة فجعلت الحق سلطة إرادية تثبت للشخص تحقيقا لمصلحة يحميها القانون.

إذ عرف الفقيه البلجيكي " DABIN "  الحق بأنه استئثار الشخص بقيمة معينة أو شيء معين عن طريق التسلط على تلك القيمة أو الشيء. فهو إذا ميزة يمنحها القانون لشخص ما و يحميها له بوسائل قانونية، و بمقتضاها يتصرف الشخص في مال اقر القانون استئثاره به وتسلطه عليه بصفته مالكا له أو مستحقا له في ذمة الغير".

فعناصر الحق بموجب هذا التعريف هي الاستئثار بمال أو قيمة معينة و تسلط صاحب الحق عليه ثم لزوم وجود آخرين يحترمون هذا الحق ثم الحماية القانونية لهذا الحق.

فإذا اشترى شخص منقولا أو عقارا من آخر يعد هذا المشتري مالكا لحق ملكية هذا الشيء، و يلزم القانون الناس جميعا بواجب احترام هذا الحق. و هكذا يُنشئ القانون مركزًا ممتازًا ينفرد به صاحب هذا الشيء يخوله فيه استعماله و الانتفاع به و التصرف فيها بحرية على سبيل الانفراد و الاستئثار دون غيره، و يفرض على الناس كافة قيودا تقابل هذا المركز تتمثل في وجود احترام هذا الحق و عدم التعرض لصاحبه عند التصرف فيه، فمضمون هذا الحق إذن هو عدم جواز التعرض لحق المشتري في التصرف في هذا الشيء الذي اشتراه، أما موضوع هذا الحق، فهو الشيء ذاته، و أما سند الحق، فهو الشراء الذي نقلت به ملكية الشيء من البائع إلى هذا المشتري صاحب الحق.

و تنقسم الحقوق بصفة عامة إلى :

حقوق سياسية و حقوق مدنية، أما الحقوق التي يتمتع بها المواطن دون الأجانب و الجنسية هي معيار ثبوت تلك الحقوق.

ومن الحقوق السياسية:

حق الانتخاب مع توفر شرط السن القانوني وحق الترشح، و يقابل هذه الحقوق واجبات كالخدمة الوطنية و الدفاع عن الوطن و الولاء له.

أما الحقوق المدنية فهي حقوق يتمتع بها الفرد كإنسان، و يستوي في ذلك الوطني و الأجنبي، وتنقسم الحقوق المدنية إلى : حقوق عامة و حقوق خاصة، فالحقوق العامة ثبت لكل الناس بغض النظر عن انتمائهم إلى وطن أو دولة، و مثاله:

حق الحياة و غيرها من الحقوق .

أما الحقوق الخاصة: فإنها لا تثبت لكافة الناس بالمساواة، و إنما يوجد تفاوت في بعض الحقوق بين الأفراد بحسب الحالة الشخصية والمدنية، و تنقسم الحقوق الخاصة إلى حقوق عائلية و حقوق مالية، و عينية و شخصية معنوية.

وتنقسم إلى عينية وشخصية معنوية .

ثانيا: خصائص الحق

 

        يتميز الحق بخاصيتين: أولا خاصية الذاتية والاستئثار وثانيا خاصية الشرعية والحماية القانونية

الفرع الأول: خاصية الذاتية والاستئثار

        يقصد بالذاتية كون الحق مرتبط بشخص معين بالذات وبالصفات، ومصطلح الخاص أو الخصوصية هي الآثار المترتبة عن ذاتية الحق، أما عنصر الاستئثار فيعني انفراد صاحب الحق بالشيء محل الحق، ومثل هاتين الخاصيتين هي جوهر التمييز بين القاعدة القانونية والحق، فإذا كانت القاعدة القانونية تتميز أساسا بأنها عامة ومجردة فإن القاعدة المكرسة للحق وعكس ذلك تتميز بخاصية الذاتية، أو أنها مشخصة في شخص معين يستأثر بالحق[2].

        وتتجلى خاصية الذاتية في الخطاب المستعمل من طرف الأشخاص بقولهم هذا لي أو من حقي كذا، ومعنى ذلك أن الحق يختص بواقعة محددة بعينها وبشخص معين بذاته، وتتطلب هذه الخاصية تغير الشروط اللازمة في الواقعة أو التصرف القانوني أو أي مصدر آخر للحق حسب طبيعة الشيء محل الحق وحسب طبيعة الشخص الذي تخاطبه وكذا صفته.

        وتجدر الإشارة إلى أن خاصية الذاتية قد لا تكون واضحة في البداية، بل تظهر عند حدوث الواقعة، أي عند التطبيق كحالة المسؤولية التقصيرية فإن حق التعويض ينطبق على شخص معين بالذات يتمتع بصفة المتضرر[3].

الفرع الثاني: خاصية الشرعية والحماية القانونية

        يقصد بالشرعية اعتراف القانون بالحق وانتسابه إلى صاحبه، أما الحماية القانونية فتعني توفر صاحب الحق على وسائل قانونية لحماية حقه تجاه أي اعتداء يقع عليه من قبل الغير.

        وهدف الشرعية والحماية القانونية تحقيق الاستقرار في المجتمع عن طريق وضع قواعد سلوك توجه الأفراد نحو الحقوق المشروعة وتنأى بهم عن الكسب غير المشروع المخالف للنظام العام والآداب العامة، أين لا تشكل العوائد الناتجة عن أعمال إجرامية حقوقا في نظر القانون، وبالتالي لا تستفيد من الحماية، حيث أن الحماية تقتصر على الحق المشروع، وتكون هذه الحماية مقترنة بدعوى قضائية تكون نتيجتها توقيع جزاء مادي من قبل السلطة العمومية على كل شخص ينتهك أو يلحق الضرر بمصلحة صاحب الحق، وهو بذلك يعد كقصاص يتيح لصاحب الحق استرجاع حقه أو الحصول على تعويض يناسبه، وهذه الحماية تعد في الواقع كضغط لإكراه الغير واجباره على احترام حقوق الأشخاص وينجم عن خاصية الشرعية والحماية القانونية[4]:

-         ربط حماية الحق بالسلطة العمومية ممثلة في الدولة، وتحديدا السلطة القضائية.

-         امكانية توقيع الجزاء على كل منتهك لحق من الحقوق المشروعة للأشخاص، وقد يفرض هذا الجزاء عن طريق دعوى مدنية كما قد يفرض عن طريق دعوى عمومية.

وعموما تتميز الحماية القانونية بأنها مادية وملموسة وحالة والجزاء المترتب عنها توقعه سلطة عمومية، ويتخذ هذا الجزاء صور ثلاث:

-         الجزاء المباشر أو العيني كما نصت على ذلك المادة 164 من القانون المدني بقوبها: " يجبر المدين بعد اعذاره طبقا للمادتين 180 و181 على تنفيذ التزامه تنفيذا عينيا متى كان ذلك ممكنا" فإذا امتنع المدين يمكن إجباره على ذلك.

-         التعويض ويتمثل في إلزام المخطئ بالتعويض لفائدة صاحب الحق المتضرر، كما قد يحكم بالتعويض في حالة ما إذا كان التنفيذ مستحيلا أو غير مجديا، كما تقضي بذلك المادة 176 من القانون المدني.

إعادة الحالة إلى ما كانت عليها قبل حدوث المخالفة أو رد الشيء إلى أصله.



  من أنصارها الفقيه الألماني اهرنج.[1] 

[2] عجة الجيلالي، مدخل للعلوم القانونية (نظرية الحق)، الجزء 02، بيرتي للنشر، الجزائر، ص 58.

[3]  عجة الجيلالي، مرجع سابق، ص 59.

[4]  نفس المرجع، ص 60.