المناهج الكيفية في البحث الاعلامي والاتصالي
1. المناهج الكيفية في البحث الاعلامي والاتصالي
المنهج الاثنوغرافي:
بدايات استخدام المنهج الاثنوغرافي وتطوره
برز الاهتمام بالمقاربة الإثنوغرافية في دراسات جمهور وسائل الإعلام مع تطور الدراسات الإعلامية، التي تختم بدراسة تأثير وسائل الإعلام على الجمهور، حيث تحولت نظرة الباحثين في مجال الإعلام والاتصال للجمهور من الجمهور السلمي إلى الجمهور الإيجابي والنشط، الذي ينتقي في تعرضه للمضامين الإعلامية ما يتناسب مع رغباته وحاجاته ودوافعه، ما جعل الدراسات الإعلامية تنتقل من الاهتمام بالمرسل أو القائم بالاتصال إلى الاهتمام بالمتلقي في علاقته وتفاعله مع الرسائل الإعلامية التي يتعرض لها، وهو ما يتطلب التحليل والوصف الشامل من أجل فهم السلوكات الاتصالية، ومعايشة الباحث الواقع الظاهرة المدروسة، وهو المنطلق الأساسي للمنهج الإثنوغراني.
وعلى الرغم من كون المنهج الإثنوغرافي منهجا قديما تم توظيفه في ميدان الأبحاث الاجتماعية، إلا أن أبحاث الاتصال في السنوات الأخيرة أصبحت تعتمد عليه في دراساتها، ومن أشهر الباحثين في ميدان الاتصال الذين قاموا التوظيفة تذكر بعض أعمال دافيد مورلي، مع ملاحظة أن الأعمال الأولى المؤسسة لهذا المنهج هو عمل الباحث Richard Hoggart" الذي حاول من خلاله دراسة مختلف الأبعاد الخاصة بالحياة اليومية للطبقة الشغيلة في انجلترا ووصفها وصفا دقيقا (رضوان بوجمعة أشكال الاتصال التقليدية في منطقة القبائل محاولة تحليل أنتربولوجي أطروحة لنيل شهادة دكتوراه دولة في علوم الإعلام والاتصال، قسم علوم الإعلام والاتصال، كلية العلوم السياسية والإعلام، جامعة الجزائر، 2006-2007، ص: (80) خاصة وأن انتشار التليفزيون في تلك الفترة أدى على ولوج الثقافة الجماهيرية في تلك الأوساط الشعبية وهذا ما يكرس ظهور نوع من المقاومة المواجهتها، علما أن عمله هذا نشر في کتاب تحت عنوان "La culture du pauvre". وعودة لما ذكرناه في بداية هذه النقطة فقد عمل " David Morley" على الابتعاد عن الانبهار بالنموذج السيميولوجي الذي يفترض قراءة منمطة وموحدة المصور، وعمل على لبني نموذج "Stuart Hall المشهور في ميدان بحوث الاتصال الترميز وفك الترميز . .
وأمام عجز الدراسات والبحوث الإمبريقية الكمية في دراسة وتفسير السلوكيات الاتصالية للمتلقي، وكيفية تفاعله مع الرسائل الإعلامية التي يتلقاها من مختلف الوسائل الإعلامية، ظهر توجه جديد في دراسة سلوك المتلقي أو الجمهور، يتمثل في المنظور أو المقترب الإثنوغرافي في دراسات الجمهور، وقد كانت البداية مع الأبحاث التي أجراها دافيد مورلي David Morley" في منتصف الثمانينات حول الاستعمالات الأسرية للتليفزيون، وما طرحه من مفاهيم سياق المشاهدة" Viewing)، السباق المنزلي" (context)، والديناميكية العائلية، وهذا مع طرحه لنموذج التفاعل والتأويلات، حيث اقترح فكرة وجوب فهم التكنولوجيا كنظام تقني ومادي واجتماعي وثقافي، من خلال الاعتماد على المقاربة الإثنوغرافية لرصد التفاعلات التي تحدث بين أفراد الأسرة الواحدة في سياق عائلي معقد مليء بالممارسات والنقاشات الجماعية، أين اتخذ الأسرة كوحدة تحليل جزئية من المجتمع ككل.
وبذلك احتل عمل Morley " المتصل بإثبات الطابع الفاعل للجمهور داخل الدراسات الثقافية قدرا كبيرا من الأهمية، إذ سمح للعديد من الدراسات باتخاذه كمرجعية ومنهجية لأعمالهم، وتتمثل بعض أعمال هذا الأخير فيما يلي:
جمهور برنامج Nationzide" : تعتبر هذه الدراسة (1980) بمثابة تحول فاصل في الاتجاه البحثي لما يعرف بالدراسات الإعلامية، فقد ركزت هذه الدراسة على تحليل برنامج إخباري بريطاني موجه إلى جمهور واسع غير متجانس يتكون من 29 مجموعة كانت قد شاهدت هذا البرنامج في BBC1 وتعكس هذه المجموعات بيانات اجتماعية واقتصادية مختلفة.
وقد توصل الباحث إلى نتيجة مفادها أن النص لا يتم إنتاجه بطريقة معزولة وإنما تتدخل فيه مجموعة من الشروط التاريخية تعطي المنض دلالته من جهة، ومن جهة ثانية أعاد التوكيد على أن الرسالة متعددة المعاني( le message est) نتيجة التعددية القراءات .
David " في مقدمة كتاب "Stuart Hall" لقد كتب :)family television( تليفزيون العائلة Morley ": "التليفزيون العائلي، السلطة الثقافية والترفيه المنزلي"، قائلا: "إن التصورات الفردية للمشاهدة وللجمهور، وحتى للتليفزيون ذاته قد ارتحلت نهائيا على الأقل حسب ما تتمناه بفضل التشديد على الاختلافات والمتغيرات، وإن خريطة التغيرات ناتجة عن العوامل التي تعمل في السياقات الاجتماعية للمتلقي التي شرع "Morley في إنجازها. وإن ما تكتشفه هذه الخريطة بصفة عامة هو التفاعلات الرقيقة بين المعنى والمتعة والاستخدام والاختيار وبالتالي تندرج هذه الدراسة ضمن النظريات التي اعتبرت الجمهور بأنه نشط وفعال في تعرضه للخطاب الإعلامي، حيث انتقل David Morley" في هذه الدراسة من التركيز على دراسة مضامين وسائل الإعلام إلى بحث إشكالية الجمهور من خلال معرفة الكيفية التي يكون بها الجمهور معانيه نتيجة تعرضه للنصوص الإعلامية، ومن ثمة فإن مبدأ فك التشفير الذي اعتمد عليه في دراسته الأولى ترك المجال الدراسة "سباق المشاهدة التليفزيونية وصيرورتها"، والتي تعتبر منهجية رئيسية لفهم النشاط الذي يقوم به المتلقي من خلال مشاهدته لبرنامج معين.
كما كانت هذه الدراسة تهدف إلى اكتشاف مختلف التفاعلات التي تحدث بين أعضاء العائلة أمام جهاز التليفزيون بطبيعة الحال أثناء المشاهدة وذلك في السياق الطبيعي لتلقي البرامج التليفزيونية أو كما يسمى المحيط العائلي، علما أن الدراسة اشتملت 18 عائلة إنجليزية مكونة من شخصين بالغين وطفلين، يتمون في أغلبيتهم للطبقة العاملة وهم الملاحظين والمستجوبين في هذه الدراسة، وكان الهدف الأساسي لـ Morley" في هذه الدراسة هو اكتشاف الاختلافات بالنسبة لكل عائلة ولكن أيضا بين العائلات في حد ذاتها في سياق المشاهدة التليفزيونية من جهة، واهتم من جهة ثانية بسلطة الاختيار بين الجنسين، علما أنه لم يهمل إطار التحليل لبنية الجمهور على مستوى الطبقة والتعليم والإيديولوجية التي يعتنقها الأفراد حيث اعتبر الطبقة الاجتماعية عاملا أساسيا يؤثر بطريقة مباشرة في كيفية المشاهدة ومختلف التأويلات التي يتوصل إليها الأفراد.
من هذا المطور درس Morley كيفية استهلاك الجمهور للتليفزيون وذلك في إطار اجتماعي القني وثقالي واسع من خلال فهمه التعقيد الذي تتسم به ظاهرة التلقي الطلاقا من طريقة تعامل كل عائلة مع التكنولوجيات المنزلية ومختلف التأويلات التي تصاحب سباق المشاهدة .
وانطلاقا من هذا الاعتبار، فإن الباحث حاول اكتشاف مختلف التفاعلات التي تحدث داخل الأسرة حول شاشة التليفزيون، حيث يحتل هذا الأخير مكانة هامة في النشاط العائلي وتوليد مختلف القراءات الخاصة بهم من خلال المعنى والمتعة والاستخدام والاختبار.
ومع زواج الانترنت في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ومع استخداماتها الواسعة من قبل فئات المجتمع خاصة الأطفال والشباب، وظهور مفاهيم جديدة كالجمهور الإلكتروني E-audience"، والجمهور القادر على التواجد في المكان والزمان Ubiquitous audience "، وغيرها من المفاهيم الجديدة المتعلقة بالجبل الإلكتروني، استمرت البحوث الإثنوغرافية، منها دراسة قام بها ميلر سلامتر" حول استخدام الانترنت في العمل ولدى الأطفال في منطقة ترينيداد"، ودراسة "بيترير" حول دور منتديات الدردشة في تغيير النسيج الاجتماعي وبناء علاقات عاطفية حديدة، إضافة إلى العديد من الدراسات اللاحقة، والتي انجزت ولازالت تنجز من أجل معرفة كيفية تفاعل الأفراد مع الانترنت، والآثار التي تحدثها على سلوكياتهم واتجاهاتهم.
مفهوم المنهج الاثنوغرافي:
ويعني مصطلح الإثنوغرافيا العلم أو الأداة التي تهدف إلى الدراسة الوصفية والتحليلية في الميدان العادات وأعراف شعوب محددة، وكانت في بدايتها الأولى تهتم بدراسة الشعوب البدائية، وتتكون الكلمة من جزأين الجزء الأول" النو" وهي مأخوذة من الكلمة اليونانية " ethno"، وتعني أي نوع من الكائنات ذات الأصل أو الظرف المشترك، أما الجزء الثاني "غرافيا" المأخوذة هي الأخرى من الكلمة اليونانية graphie"، أي صور، وعليه فان الاثنوغرافيا تعني لفظيا وصف الشعوب، وتعني تحديدا أعمال الباحثين الذين يبحثون في طبائع الشعوب ودورات حياتهم " ..
ويرى أوجبو "Ogbu" أن البحث الإثنوغرائي طريقة وأداة لفهم أساليب مجتمع أو جماعة ما، وطرفه في الحياة اليومية، من خلال معرفة أفكار أعضائه ومعتقداتهم وقيمهم وسلوكياتهم، وما يصنعونه من أشياء يتعاملون معها، ويتم ذلك عن طريق الملاحظة بالمشاركة في الوضع الطبيعي الحياتي من جانب الباحث.
ويعرف مرسلي وأتكنسون البحث الأشوغرافي بأنه منهجية بحث اجتماعي يتميز بالانخراط العميق للباحث علنا أو خفية في حياة الناس الفترة من الزمن، يراقب ما يحدث ويسمع ما يقال، ويسأل الأسئلة ويجمع ما يمكن من بيانات بهدف تسليط الضوء على قضايا محورية في البحث، حيث أن الباحث الاثنوغرافي يقع بين حدود البحث الكيفي السوسيولوجي المجرد الفهم، وبين البحث الإجرائي كون هدفه الفهم والمشاركة في التغيير نحو الأفضل، حيث تختلف البحث الاثنوغرافي عن الأبحاث الأخرى منهجيته وأهدافه، فمن حيث المنهجية يقتضي البحث الاثنوغرائل قيام الباحث المعايشة المجتمع موضوع البحث، مثل المنزل، المدرسة السحر... الخ، فالأبحاث الاثنوغرافية تتطلب آليات معينة الجمع البيانات كندوين المشاهدات اليومية إضافة إلى تحليل الوثائق واليوميات ذات الصلة .
وترجع بداية المنهج الإثنوغرافي وتطوره وتطبيقاته العلمية إلى علم الانثروبلوجيا، إذ تم استخدامه من قبل الباحثين الانثروبلوحيين، بوصفه طريقة للتعرف على الثقافات الأخرى، وعلى وجه الخصوص الثقافات البدائية، وبالتالي استمدات الاثنوغرافيا قواعد تنظيمها وأسسها من علم الاكروبلوجيا، ولعل اهتمام الباحثين الانثروبلوجيين بإتحاد منهج تحتى يواكب طبيعة دراساتهم المتعمقة للثقافة يفسر تعريف مصطلح الاثنوغرافيا Ethnography " بأنها وصف الثقافات وحياة الشعوب 2
وقد ظهرت طرق البحث الإثنوغرافية نتيجة للنقد الموجه المناهج البحث الكمية المستخدمة في محال العلوم الإنسانية والاجتماعية، بقيادة كل من المدرسة النقدية (Critical Theory) والمدرسة التفسيرية (Interpretive Theory) اللتين تيان أن البحوث الكمية التي تستخدم الاستبيانات والطرق الإحصائية، قد تفهم من قبل المبحوثين على عكس ما تهدف إليه، وأنها لا تدرس الظاهرة الاجتماعية بكل أبعادها بشكل متكامل فضلا عن أنها لا تعطي للمبحوثين الفرص الكاملة لتقديم رؤيتهم ووجهات نظرهم ..
تقنيات المنهج الإثنوغرافي وأدواته:
يوفر البحث الإثنوغرافي تقريرا وصفيا مستعملا مجموعة من الأدوات المنهجية في مقدمتها الملاحظة بالمشاركة والمقابلات الودية غير الرسمية، ويستعين الباحثون في دراسات الجمهور بهذا المقترب في حالات يكون فيها موضوع الدراسة غير مألوف لدى فريق التحقيق، وحيث يعتقد أن السياق العام له تأثير مهم في مجربات الدراسة، فإنه يتم التركيز عليه لفهم محيط الدراسة وتكوين نظرة شاملة على مختلف المسائل المرتبطة بمشروع البحث الذي لا يتطلب بالضرورة على الباحث أن يكون على معرفة قبلية به.
وتتمثل أهم التقنيات والأدوات المستخدمة في المنهج الإثنوغرافي في:
1- الملاحظة بالمشاركة
وهي تلك التي يشارك فيها الباحث بانتظام في أنشطة الجماعة التي تم ملاحظتها، أما في حالة الملاحظة دون. المشاركة فلا يشارك الباحث في النشطة الجماعة قيد الاهتمام، وفي هذا النوع من الملاحظة يتم تحديد أهدافه بدقة، وكذا المتغيرات والتصور العام حول الموضوع، لم ينخرط الباحث مباشرة في حياة الجماعة التي تجري عليها الدراسة "
فتقنية الملاحظة تعتماد على تسجيل للقطات أحيانا حول محادثات ذات طابع مناسباتي وغير رسمية، فالملاحظة تستعمل في حالات معينة حالة المواضيع السلوكية، حيث تقدم بالإجابة على السؤال كيف؟ التقدم تفسيرا للسلوك في بعده الكيفي.
وعلى الباحث الأنوغرافي أن يستخدم الملاحظة بالمشاركة في جمع المعلومات في وصف جميع السلوكيات والأنماط والعادات التي يتم رصدها دون استثناء، وتسمى هذه الطريقة بالطريقة الكلية Method Holistic "، وخند برتشارد افانز " شروط نجاح الملاحظة بالمشاركة فيما يأتي:
قضاء الباحث الفترة كافية بين أفراد المجتمع المدروس في معيشتهم مرتبط بحجم المجتمع وطبيعة المشكلة المراد دراستها.
أن يكون الباحث طوال فترة الملاحظة على صلة وثيقة بالأهالي، خاصة بإشراكه في معظم جوانب حياتهم.
على الباحث الإثنوغرافي أن يستخدم في حديثه مع أفراد المجتمع المدروس لغتهم لأن المترجم قد يفشل في نقل الأفكار والمعاني بدقة كاملة، فعامل اللغة هام في تطبيق هذا المنهج ضرورة الملاحظة الشاملة لكل جوانب الحياة الاجتماعية، وإن اقتصرت الدراسة على جزء ما، وذلك قصد فهم الجانب التفصيلي وتحديد وظائفه.
على الباحث أن يتخلى عن قيمه وحضارته قدر المستطاع مؤقتا حتى يستطيع تحقيق الملاحظة الموضوعية، بالوصف الدقيق للظاهرة المدروسة، ولكن عندما ينتقلون إلى مرحلة الفهم والإدراك العميق فإنهم يحتاجون للكثير من الحدس، ويجب عدم إغفال أهمية مزاج الباحث وطباعه، فقد يحدث أن يحقق أحد الباحثين في دراسة مجتمع معين ولكنه ينجح في مجتمع آخر.
يحتاج الباحث المهارة أدبية في نقل ووصف وتحليل البناء الاجتماعي إلى لغته، إذ عليه أن بيين ويشرح معنى الظواهر الاجتماعية، ويبرز معناها بوضوح لينجح في عمله.
فيما يتعلق بتدوين التقارير اليومية، تعتبر أفضل الظروف التسجيل المعلومات هي مكان المحادثة وأثناء حدوثها، إذ يترتب على ذلك إبعاد عامل التحيز في الاختبار Selection Bias " أي التحيز في تسجيل معلومات معينة، وإهمال معلومات أخرى، أو عامل ضعف الذاكرة الإنسانية، وقد يؤدي هذا التسجيل أو تدوين المعلومات إلى إثارة شكوك الأفراد الخاضعين للملاحظة، وقد يؤدي أيضا إلى تشويه الصورة الطبيعية للظاهرة.
- إن القيام بالملاحظة وتدوين المعلومات في نفس الوقت يؤدي غالبا لعدم دقة الملاحظة.
يجب أن يكون التسجيل بصورة يومية على الأقل، وأن يشمل تقريرا مطولا عن حوادث اليوم بمحاولة تسجيل النقاط الهامة وقت حصولها، فالغش في مجتمع غريب يخلق الشعور بأهمية التدوين المباشر.
وتستخدم الملاحظة عادة في الدراسات الاثنوغرافية كتقنية أساسية من تقنيات البحث من أجل ملاحظة القواعد الثقافية الخاصة باستعمال كافة وسائل الإعلام بما فيها إذاعة تلفزيون وانترنت المعرفة كيف يتحدث الناس عن استعمالهم لها ومعرفة التفاعل الحاصل بين الوسيلة الإعلامية والمتلقي أو الجمهور المضامينها ومحتوياتها، فعاليا ما يكون الباحث عضوا فاعلا داخل المجتمع أو المجتمعات الافتراضية ويكون حاضرا أثناء حدوث الظاهرة، أو يكون بكل بساطة عرضة للفعل أو جزءا من التفاعل الالكتروني، وتستعمل هذه الوسيلة خاصة في دراسة المجتمعات صعبة الدراسة أو المجتمعات المميزة أو المعلقة، فهذه الوسيلة تمكن الباحث أن يكون جزءا من المجتمع المدروس وفي نفس الوقت يكون أفراد المجتمع المدروس على طبيعتهم الأولية شرط أن لا يؤثر الباحث فيهم ولا في بيئتهم، وأهم ما يجب أن يكون عند الملاحظة بالمشاركة الالكترونية هو الوصف الدقيق لكل ملامح الظاهرة من مكان وقوعها ومختلف الآراء والمشاعر، وترجمة وتأويل الباحث للأيقونات والرموز المستخدمة داخل المجتمعات الافتراضية .
المقابلة الاثنوغرافية
يستخدم الباحث الاثنوغرافي أثناء الدراسة الميدانية إضافة إلى الملاحظة تقنية المقابلة، التي تشمل المقابلة الموجهة والمقابلة غير الموجهة، التي تعرف استخداما كبيرا مقارنة بالطريقة الأولى في هذا النوع من الدراسات، لأنها تسمح للباحث بأخذ معلومات كيفية معمقة حول أفراد عينة الدراسة.
: Unguided Interview المقابلة غير الموجهة
هي تقنية تستعمل من أجل مساءلة الأفراد بكيفية منعزلة، لكن أيضا في بعض الحالات مساءلة الجماعات بطريقة غير موجهة تسمح بأخذ معلومات كيفية بهدف التعرف العميق على الأشخاص، حيث يقوم الباحث بتوجيه الأسئلة لأفراد العينة على أن يكسب ثقتهم في المقابلات الأولية، مع إتاحة الفرصة لهم للإجابة المطولة دون توجيه الإجابة وجهة معينة، ولا يحاول الباحث قطع حديثهم إذا انتقلوا للحديث في موضوع آخر، وإنما يقوم بتشجيعهم باستخدام كلمات أو عبارات تزيد من شدة استرسالهم في الحديث حول الموضوع الذي يهم الباحث، ويمكن للباحث تدوين تلك المعلومات أو تسجيلها بالآلات الحديثة إذا كان ذلك لا يؤثر سلبا على ثقتهم به، وعلى الباحث أن يقوم بتدوين كل ما يسمعه أثناء المقابلة أو بعدها مباشرة حتى لا ينسى بعض عناصرها، وأهم ما يميز هذا النوع من المقابلات هو إتاحتها الفرصة لإظهار سمات شخصيات الأفراد، وذلك بإعطاء المعلومات التفصيلية عن الموضوعات التي تدور حولها الأسئلة
Guided Interview المقابلة الموجهة:
وتتمثل تلك الطريقة في استخدام استمارة تتكون من مجموعة من الأسئلة التي وضعت بدقة حول موضوع معين، إذ يجب على الباحث أن يقرأ كل سؤال أمام الشخص المراد دراسته ثم تسجيل إجابته في الاستمارة، بحيث تتم قراءة الأسئلة بصورة محايدة بحيث لا تؤثر على إجابات المستخوب، وتعتبر هذه الطريقة غير شائعة في الدراسات الخاصة بالمجتمعات الريفية والبدائية، ذلك أنها تثير شكوك الأفراد لعدم تعودهم على تلك الطريقة الرسمية في الحديث وخاصة أنه في الغالب لا يعرف القراءة والكتابة ولم يحدث أن قابله أحد وأخذ يسجل أقواله، ولذلك لا يستخدمها الإثنوغرافيون كثيرا إلا في المجتمعات الحضارية.
ومنه فطريقة المقابلة تكتسي أهمية كبيرة في البحوث الأنثربولوجية لأنها تدعم أداة الملاحظة بالمشاركة، من خلال الحصول على معطيات ومعلومات أكثر تفصيلا عن الظاهرة المدروسة، وتساعد الباحث على التعمق أكثر من جوانب المجتمع البحثي محل الدراسة.
طريقة الاختبارات النفسية
هذه الطريقة غير شائعة كثيرا، وتستخدم عموما في الأنثروبولوجيا الاجتماعية أثناء الدراسات الميدانية لبعض الاختبارات النفسية لتحديد خصائص شخصية أفراد المجتمع موضوع الدراسة، ومن أمثلة تلك الاختبارات اختبار روشاخ (Rorschach Test)، ويجب الإشارة هنا أن القليل من علماء الأنثروبولوجيا المتعلقة بعلم الاجتماع يستخدمون هذا النوع من الاختبار لتكون الحصة الأوفر في استخدامات علماء الأنثروبولوجيا الثقافية الذين يتخصصون في تحديد العلاقة بين الشخصية والحضارة في مجتمع ما
منهج التحليل السيميولوجي
يعتمد الباحث الإعلامي على التحليل السيميولوجي في إطار البحوث الكيفية من أجل التعرف على المعنى الظاهري والضمني للرسائل الإعلامية والاتصالية سواء كانت لفظية أو غير لفظية، تتضمن نضا أو صوتا أو صورة ثابتة أو صورة متحركة، مما يساهم في الفهم الدقيق للمنتجات الإعلامية والثقافية والفنية والقيم المتضمنة فيها.
وقد بدأت السيمولوجيا تفرض نفسها على الدراسات الأدبية والثقافية والإعلامية والفنية منذ السبعينيات من القرن الماضي، وشكلت تيارات مختلفة تنوعت حسب مواضيع الدراسة مثل: السرد الصحفي الشريط المرسوم الكاريكاتير، الإشهار، المسرح، السينما، الفنون التشكيلية الصورة التلفزيون المرئيات المودة واللباس، الفن التشكيلي، الإعلام الجديد والتفاعلية والثقافة، وغيرها، حيث يرى بعض المختصين البنيوية والسيميائيات أنها في حالة تشابك نظري. فالحفاوة التي حققيت بها البنيوية في الأوساط الفكرية والأكاديمية، في الستينيات من القرن الماضي، تعود لكونها تستطيع أن تضفي طابعا علميا على العلوم الاجتماعية، لذا لا غرو أن تحد السيميولوجيا، كعلم ناشئ، شرعيتها في ظلال علم مرموق وقديم مثل اللسانيات، لذا اتجهت إلى دراسة المواضيع الجديدة وفق نموذجه .
ولقد ظهرت المقاربة السيميولوجية في بداية سنوات السبعينات في عالم الإشهار الفرنسي، مما أدى إلى ظهور مدرسة تفكير كانت محل اهتمام الجامعيين وهي مصطلح يرتبط بتراث العالم اللساني السويسري "فيودناند دي سويسر" (1875 - 1813) الذي حدد محاله في مطلع القرن في كتابه محاضرات في اللسانيات العامة وعرفه بأنه العلم الذي بدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية".
ولقد كان فيردناند دي سويسر يحلم بعلم عام لكل اللغات الملفوظة أو غير الملفوظة Parlé ou non parlé، لكل الدلائل Signes، وجاء بعده رولان بارث للكشف عن هذا الهدف في مقاله "عناصر السيميولوجيا" حيث قال: "موضوع السيميولوجيا هو كل الأنظمة Systemes مهما كانت مادته وحدوده الصور، الإيماءات الأصوات والألحان، الأشياء ومركبات هذه المواد التي تجدها في الشعائر، البروتوكولات والعروض ... الخ، تشكل لغات .
وهكذا عرف البحث في ميدان السيميولوجيا في فرنسا وبتأثير من رولان بارث (1915-1980) تطورا هاما ابتداءا من سنوات الستينيات في مجال الآداب، إذ فتح رولان بارث الباب للسيميولوجيا للدخول إلى الإشهار بقيامه بتحليل الصورة أين قدم في مقاله بلاغة الصورة الأمس الأولية لسيميولوجيا الصورة، وقد عرفت البحوث السيميولوجية المتعلقة بالسينما بصورة خاصة قفزة مهمة مع أعمال "كريستيان ماتز " .
وتجرى السميولوجيا الدليل إلى دال ومدلول المرتبطين بعلاقة معنى mode de signification ويهدف علم السميولوجيا إلى دراسة المعنى الخفي لكل نظام علاماتي فهو يدرس لغة الإنسان والحيوان، وغيرها من العلامات غير اللسانية باعتبارها نسقا من العلامات، كعلامات المرور أساليب العرض، الخرائط الصور الى فهو يرتكز على إعادة بناء نظام للمعاني والحصول على أفضل وظيفة للنص ضمن سياقه السوسيوثقافي، والتحليل السيميولوجي عند رولان بارث شكل من أشكال البحث الدقيق في المستويات العميقة للرسائل الأيقونية والألسنية على حد السواء، يلتزم فيها الباحث الحياد المعاد الرسالة، ويسعى لتحقيق التكامل من خلال الوقوف على الجوانب السيكولوجية والاجتماعية وكذا الثقافية التي من شأنها أن تدعم التحليل.
ولقد كانت أغلب الدراسات السيميولوجية تدور حول تحليل الصور الثابتة، لكن بعد ظهور السينما الصورة المتحركة وتطورها ظهرت سميولوجيا السينما، والتي كانت في فتراتها الأولى (1964-1971) تهتم بدراسة اللغة السينمائية وليس بالأسلوب أو الكتابة الخاصة بفيلم معين، وكان كريستيان ماتز أول المحاولين في سيميولوجيا السينما وذلك في سنة 1964 عندما نشر مقالا بعنوان Cinema, langue ou langage" وبعد ذلك ظهر ما يسمى
بالتحليل النصي للفيلم السينمائي.
حيث يعتبر التحليل السميولوجي أفضل منهج يسلط الضوء على الآليات التي تنتج من خلالها المعاني في الأنساق الدلالية، ويكشف عن العلاقات الداخلية لعناصر النسق ثم يعيد تشكيل نظام الدلالة بأسلوب يتيح فهم أفضل الوظيفة الرسالة الإعلامية. "
ولذلك يركز تحليل المحتوى السيميولوجي على المحتوى الرمزي، ولا يهتم بالمحتوى الظاهر للرسالة، فهو يهتم باستخدام المعاني الضمنية والدلائية لمختلف الرسائل وتعني الدلالية المعنى المحدد غير المتغير لأي علامة ما، وتمثل الضمنية المعنى المتغير النفس العلامة، إذ تحتم هذه الأخيرة بالكشف عن العلاقات الداخلية العناصر الخطاب وبإعادة تشكيل نظام الدلالة بأسلوب يتيح فهما أفضل لوظيفة الرسالة الإعلامية داخل النسق الثقافي.
وعليه يصبح موضوع السيميولوجيا حسب رأي "جوليا كرستيفا" هو دراسة الأنظمة الشفوية وغير الشفوية. ومن ضمنها اللغات بما هي أنظمة أو علامات تتمفصل داخل تركيب الاختلافات، إن هذا هو ما يشكل موضوع علم السيميوطيقا أو السيميولوجيا.
فالسيميولوجيا " La semiologie " إذن هي علم العلامات سواء كانت هذه العلامات لسانية أم غير السانية، يهتم برصد العلامات المختلفة، وبتصنيفاتها، وبيان دلالاتها، وبكشف القوانين التي تحكمها، ومن ثم استعمل مصطلح "La sémiologie", "La sémiotique " جنبا الى جنب مع مصطلحsemiotique الشبيه مصطلح "The semiotics أكثر ارتباطا بالدول الناطقة بالإنجليزية في حين يضرب. مصطلح " La semiologie " محذوره في الثقافة الفرنسية. "
إذن فالسيميولوجيا علم جاء في الأساس ليهتم بالعلامات اللغوية وغير اللغوية، ولكنه مع ذلك اهتم في البداية بالعلامات اللغوية لارتكازه على علم أقدم هو علم اللسانيات، فحتى سنة 1964 مع صدور مؤلف رولان بارت Elements de la Semiologies) عناصر السيميولوجيا لتشهد فعلا نشأة السيميولوجيا غير اللغوية أو غير اللسانية، ويعتبر " رولان بارت أول من طبق منهجية في التحليل السيميولوجي للصورة، ولقد أوضح بارت هدف هذا العلم الذي أسماء سيميوطيقا "Semiotiane" بأنه كل النظم الرمزية أيا كان الجوهر أو المضمون، أيا كانت الحدود، الصورة الإشارات الأصوات النغمية، الرموز التي تجدها في الأساطير والبروتوكولات، والعروض تعتبرها جميعا لغات أو على الأقل نظاما للمعنى .
وقد بين الباحث الدانماركي "لويس يا مسلاف" الغرض من التحليل السيميولوجي قائلا: "هو مجموعة التقنيات والخطوات المستخدمة لوصف وتحليل شيء باعتباره له دلالة في حد ذاته وبإقامته علاقات مع أطراف أخرى من جهة أخرى، ويمثل التحليل السيميولوجي بالنسبة لـ " رولان بارت" شكل من أشكال البحث الدقيق في المستويات العميقة للرسائل الأيقونية أو الألسنية على حد سواء، يلتزم فيه الباحث بالحياء اتجاه هذه الرسالة من جهة، ويسعى فيه من جهة أخرى إلى تحقيق التكامل من خلال التطرق إلى الجوانب الأخرى السيكولوجية الاجتماعية الثقافية، وغيرها، التي يمكن أن تدعم التحليل بشكل أو بآخر.
ومنه يمكن القول أن السيميولوجيا مرت بأطوار خلال القرن العشرين من سيميولوجيا النص إلى سيميولوجيا التواصل في السبعينات من القرن الماضي، كما أنه اتسع نطاق توظيفها كأداة ومنهج من الآداب إلى الفنون إلى وسائل الإعلام، وإن كانت الدراسات في العالم العربي متأخرة في اعتماد السيميولوجيا في استنطاق الخطاب، حيث أن القسم الأكبر مازال رهين الرؤية "البرلسونية" للمحتوى الظاهر الذي سجنته في تكميم العلاقات والرموز دون مساءلة أبعادها الضمنية.
التأملية للماضي.
منهج دراسة الحالة:
تعتبر دراسة الحالة من أقدم وأهم الطرق التي استخدمت في البحث الاجتماعي الوصف وتفسير الخيرات الشخصية والسلوك الاجتماعي، إذ ترجع بداية استخدام هذه الطريقة إلى القرن التاسع عشر أو قبله بنحو من السنوات قليل، حيث كان الإنجليزي "أورى" أول من استخدم هذه الطريقة في تناوله الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على استخدام الآلات الميكانيكية، ثم جاء "فردريك لوبلاي" ليضفي على استخدام هذه الطريقة طابعا منهجيا منظما، وذلك عندما استعان بها في دراساته عن اقتصاديات الأسرة وغيرها من العناصر الهامة في البناء الاجتماعي، ثم وسع "هريرت سبنسر" من نطاق استخدام هذه الطريقة في البحث حتى تشمل على جمع أكبر قدر من الوثائق الإثنوجرافية عن الإنسان البدائي، ثم دفع توماس وزنانيكي في دراساتهم الفلاح البولندي في أوروبا وأمريكا بهذه الطريقة إلى الأمام، فقدمت دراستهم مثالا حيا على استخدام هذه الطريقة في البحث الاجتماعي وإمكانياتها ومميزاتها وعيوبها . .
ومنهج دراسة الحالة هو منهج يهتم بجميع الجوانب المختلفة لشيء أو موقف واحد، على أنه يعتبر الفرد أو المؤسسة أو المجتمع أو أي جماعة أخرى كوحدة للدراسة. إذن فهذا المنهج يقوم على الدراسة الشاملة لهذه الوحدة بحيث يمكن رسم صورة كلية لها في علاقاتها ضمن سياقها.
ويعتبر منهج دراسة الحالة منهجا قائما بقاله، يتضمن خطوات بحثية محددة، ترسم بدقة الطريق الموصل إلى العرض العلمي للمطلوب، في إطار الوظيف العديد من الأدوات البحثية مثل الملاحظة، الاستبيان المقابلة وتحليل المضمون في جمع المعلومات، وهو يستخدم منفردا في دراسة ظاهرة معينة أو إلى جانب مناهج أخرى، حيث يقوم منهج دراسة الحالة على التعمق في دراسة المعلومات بمرحلة معينة من تاريخ حياة هذه الوحدة، أو دراسة جميع المراحل التي مرت ها (دراسة معمقة ومركزة)، حيث يقوم الباحث بالتعمق والتحليل لفهم التفاعل الذي يحدث بين العوامل التي تؤدي إلى التغيير والنمو والتطور على مدى فترة زمنية معينة من الزمن.
ودراسة الحالة نوع من الدراسات الوصفية، أو أسلوبا من أساليب البحث الوصفي، يزود الباحث بيانات كمية وكيفية عن عوامل متعددة تتعلق بفرد أو مؤسسة أو أسرة أو عدد قليل من الأفراد أو نظاما اجتماعيا وحالات محددة. وتتضمن هذه البيانات جوانب شخصية وبيئية ونفسية وغيرها، مما يمكن الباحث من إجراء وصف تفصيلي متعمق للحالة موضوع الدراسة، وإذا كان موضوع الدراسة منصبا على المؤسسات الاجتماعية، فإن كل مؤسسة اجتماعية تعتبر بمثابة حالة، بينما يصبح الأفراد مجرد أجزاء أو مواقف أو عوامل داخلة في تكوين الحالة.
وتتم دراسة الحالة لأي من المؤسسات أو القائم بالاتصال في اتجاهين:
الأول: دراسة الوثائق الخاصة بالنظم والأفكار، بالبحث المتعمق والمركز أكثر من دراسة تحليلية لعينة منها، مثل دراسة سياسات ونظام مؤسسة صحفية تتطلب دراسة الاتجاهات الخاصة بمحتوى إصداراتها الصحفية، وذلك في إطار وصف المؤسسة وحدها، والخروج بأوصاف دقيقة لهذه الجوانب وتسجيلها.
الثاني: دراسة الأفراد، ويشمل ذلك الأفكار والاتجاهات والآراء والدوافع والمشاعر، من خلال المقابلة المتعمقة للكشف عن أساليب الممارسة المهنية، والمهارات المختلفة في مجالات العمل.
وعلى سبيل المثال الدراسة المتعمقة لكاتب معين، تتطلب دراسة تاريخه واتجاهاته وأساليب الكتابة التي يتبناها / وإنتاجه واتجاهات هذا الإنتاج السياسية والاجتماعية... إلى آخره. "
وتجرى دراسات الحالة في الدراسات الآتية:
الدراسات التي تحتم بحالة فرد أو جماعة أو مؤسسة يصعب فيها على الباحث استخدام المناهج الأخرى، من أجل جمع معلومات عن أفراد مجتمع الدراسة بأسلوب معمق
الدراسات التي يكون فيها تركيز البحث على ظاهرة معاصرة وتفاعلاتها البيئية ضمن سياق حياتها الواقعي، التعرف على الظروف التي ظهرت فيها المشكلة، لأن كل موقف يحتوي على عوامل مختلفة متفاعلة مع بعضها البعض، محال مكونات السياق الذي تتواجد فيه الظاهرة المدروسة).
الدراسات التي تكون فيها رغبة في دراسة حالة تحتوي على العديد من المتغيرات والعوامل المرتبطة مع بعضها البعض. وحينما تكون هذه العوامل والمتغيرات يمكن ملاحظتها.
و تمیز دراسات الحالة بأنها:
دراسات تعتمد على جمع أكبر عدد من المعلومات والبيانات عن الوحدة المدروسة، وتقديم تفصيلات هائلة حولها. التحقيق تلك النظرة الكلية الشاملة، التي تستوعب تطور هذه الوحدة ونموها، سواء كانت تلك الوحدة فردا أو مؤسسة أو غيرها.
دراسات تعتمد على مصادر متعددة للمعلومات والبيانات، كالملاحظة حيث يكون الباحث متواجدا مع الحالة المدروسة لفترة زمنية كافية لتسجيل الملاحظات العلمية بدقة، والوثائق والسجلات المكتوبة لتحليلها في إطار وصف الحالة، والاستبيان للتعرف على اتجاهات وآراء الأفراد الذين لهم علاقة بالحالة محل الدراسة، والمقابلة المتعمقة للكشف عن بعض المعلومات التفصيلية التي تتطلبها الدراسة.
- لا يصلح منهج دراسة الحالة أن يكون أداة للتعميم، لأن الدراسة مهما كانت متعمقة ومركزة فإنها تتم على حالة بداتها ولذاتها، والنتائج أن تفيد إلا في وصف الحالة فقط والإجابة على ما يرتبط بها من تساؤلات بحثية وعلمية، دون أن تقدم سندا للاستدلال عن العلاقات الأخرى أو حركة الظاهرة الكلية أو علاقاتها بالظاهرات الأخرى. ذلك أن وصف مؤسسة إعلامية أو كاتب ما لا يصلح للتعميم من خلاله الوصف الإطار العام لبناء المؤسسات الإعلامية أو خصائص وسمات الكتاب جميعهم في فترة ما أو مرحلة من المراحل.
إن تقرير إجراءات وخطوات منهجية للعمل في هذه الدراسات لا يعني أن تتم بنفس الترتيب، بل إن الكثير من الإجراءات يمكن أن تتم على التوازي، أو تتقاطع مع بعضها للوصول إلى المعلومات والبيانات وتسجيلها في الوقت المناسب، وفي السياق الذي يسمح بالتفسير الدقيق للنتائج .
وما يعاب على دراسات الحالة، أنها:
تحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير، حيث قد ينسى الباحث بعض المعلومات والبيانات الهامة في استكمال دراسة الحالة، نتيجة الزمن المتعلق بتاريخ الحالة، أو يصعب عليه تلخيص الكميات الهائلة من المعلومات التي يتوصل إليها، وبالتالي يحتاج إلى وقت أطول للوصول الى نتائج البحث
يصعب عن طريقها دراسة المجتمع كثير العدد إذا استهدفت التشخيص والعلاج، واستعملت وسائلها العامة في تجميع المعلومات والبيانات، حيث تكون في هذه الحالة مناهج أخرى للبحث أكثر ملائمة
تتسم بالذاتية بقدر كبير في إجراءاتها وبناء تفسيراتها، لذا تعتبر الإجراءات الخاصة بتأكيد الصدق المنهجي للإجراءات والأدوات ضرورة حيوية في تطبيقات دراسة الحالة.
ويتبع الباحث في دراسات الحالة الإجراءات المنهجية الآتية:
تحديد الأبعاد ذات العلاقة بالمشكلة أو الظاهرة العلمية، التي يمكن أن تفيد في زيادة الاستبصار بالحالة والاقتراب منها، مثل: الأبعاد التاريخية، الأبعاد الاجتماعية، الأبعاد التنظيمية، الأبعاد النفسية كالاتجاهات والقيم والميول، العلاقات والتأثيرات الخارجية. تحديد نوعية البيانات والمعلومات المستهدفة في الأبعاد السابق ذكرها.
تحديد مصادر هذه البيانات سواء كانت الحالة ذاتها مؤسسة أو فرد أو أفراد آخرين ذوي علاقة بالحالة محل الدراسة.
وكذلك تحديد وعاء هذه البيانات (وثائق تسجيلات، أفراد).
تحديد وتصميم أساليب جمع البيانات وأدوائها، بما يتفق مع نوعية هذه البيانات ومصادرها، مثل: المقابلة، الملاحظة بأنواعها، تحليل الوثائق، الاستبيان المعرفة درجات الرضا لدى العاملين واتجاهاتهم في المؤسسة الإعلامية مثلا).جمع المعلومات وتسجيلها وتحليلها.صياغة النتائج وتفسيرها.
وتجدر الإشارة إلى كيفية اختلاف دراسة الحالة عن استراتيجيات البحوث الأخرى، حيث تجرى دراسات الحالة عندما يكون الباحث بحاجة إلى فهم ظاهرة أو شرحها، لذا فهي تستخدم مصادر متعددة من الأدلة لتقصي ظاهرة معاصرة ضمن سياق حياتها الفعلية، وحيث تكون الحدود بين الظاهرة وسياقها غير واضحة المعالم، أما التجربة فتقوم بفصل الظاهرة عن سياق حياتها الفعلية، وتسيطر بيئة المختبر على السياق، كما تحاول تقنية المسوح تحديد الظاهرة موضع الدراسة إلى محال ضيق يكفي لتحديد عدد المتغيرات التي سيجري اختبارها، في حين تركز دراسات الحالة على وضع معين أو حدث أو برنامج أو ظاهرة، جاعلة منها أسلوبا جيدا لدراسة مشكلات عملية من الحياة الواقعية وتقدم تفصيلات هائلة حولها، ومنه ما كان لتقنيات بحوث أخرى كالمسوح، أن تكون قادرة على كشف جميع الأسباب خلف هذه الظاهرة، لتحقيق أقصى درجة من الفهم كما هو الحال في دراسات الحالة وفي مجال دراسات الإعلام يتضمن تطبيق منهج دراسة الحالة في دراسة حول دور وسائل الإعلام في التغييرالاجتماعي في قرية بنينة، على سبيل المثال مرحلتين أساسيتين، هما:
تستهدف المرحلة الأولى تقديم وصف للحالة المخضعة للدراسة "قرية بنينة"، للتعرف على الموقف الكلي الذي يمثل مكونات أساسية للحالة، وذلك من حيث:
. تاريخ القرية بالرجوع إلى الكتب والمراجع والمؤلفات القديمة والوثائق الرسمية والمصادر الحية.
دراسة الحالة الاجتماعية للقرية بالرجوع إلى الإحصائيات والبيانات الرسمية للتعرف على عدد السكان، وعدد الأسر، سجلات المواليد والوفيات، حالات الزواج والطلاق والوحدات السكنية وغيرها.
. دراسة الحالة الاقتصادية للقرية، المهن السائدة والمهن الأكثر شيوعا، كالزراعة.
. سبل الاتصال بأقرب المدن المواصلات، عدد السيارات ووسائل النقل الأخرى.
المرافق والمؤسسات الخدمية، كالمدارس والمستوصف وخدمات البريد والأندية وخدمات الأمن والجمعية التعاونية والأسواق.
. عدد أجهزة الراديو والتليفزيون في القرية.
. الصحف والمجلات التي تصل إلى القرية بصفة منتظمة.
تستهدف المرحلة الثانية الكشف عن الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في التغيير الاجتماعي بإخضاع عينة ممثلة أصدق تمثيل للقرية (كمجتمع للبحث) المقابلات وملاحظات بهدف التعرف على اتجاهات التغير ودور وسائل الإعلام في ذلك من حيث:
. مدى المعرفة بالقضايا المحلية.
. مدى المعرفة بالقضايا القومية.
. مدى المعرفة بالقضايا السياسية.
. مدى المعرفة بالقضايا الاجتماعية.
. مدى المعرفة بالقضايا الثقافية.
. التعرض لوسائل الإعلام.
. التعلم من وسائل الإعلام.
. تملك الأجهزة.